تُواصل بوسعادة تأكيد مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية في الجزائر، بما تختزنه من مؤهلات طبيعية وثقافية فريدة جعلت منها عبر عقود طويلة قبلة للزوار وعشاق الفن والطبيعة. فهذه المدينة، التي تُلقّب ببوابة الصحراء، تجمع بين سحر الواحة وجمالية التضاريس وتاريخ زاخر يعكس عمقها الحضاري.
وتُعد واحة بوسعادة القلب النابض لهذه الجاذبية، حيث تتغذى من مياه وادي بوسعادة، في مشهد طبيعي أخّاذ يمزج بين الخضرة الدائمة وتدرجات الجبال والصحراء. وقد ألهم هذا الجمال الفريد الرسام العالمي ناصر الدين دينيه، الذي أُعجب بسحر المدينة واتخذ من ضفاف الوادي فضاءً لإبداع لوحاته الشهيرة، موثقًا بريشته تفاصيل الحياة اليومية وجمالية الطبيعة البوسعادنية التي أسرت أنظار العالم.
غير أن هذا الإرث الطبيعي والتاريخي، ورغم قيمته الكبيرة، ما يزال في حاجة إلى مشاريع حقيقية تعيد له الاعتبار وتُحسن استغلاله سياحيًا. ومن بين أبرز المواقع التي تنتظر بعثًا جديدًا، تبرز منطقة طاحونة فيريرو، أو ما يُعرف بـ Moulin Ferrero، التي أنشأها الإيطالي أنطوان فيريرو في أواخر القرن التاسع عشر، وكانت آنذاك مركزًا حيويًا للنشاط الاقتصادي والصناعي بالمنطقة.
اليوم، لم يتبقّ من هذا المعلم سوى أطلال صامتة، تختزل تاريخًا من الحركة والحياة، وتطرح في الوقت ذاته تساؤلات ملحّة حول واقع استغلال التراث المحلي. وفي هذا الإطار، يبرز مقترح إطلاق مشروع سياحي متكامل تحت مسمى “واحة فيريرو”، يهدف إلى إعادة تأهيل الموقع وتحويله إلى فضاء سياحي وثقافي نابض بالحياة.
ويُرجى ان يكون هناك مشروع ترميم طاحونة فيريرو والحفاظ على طابعها المعماري الأصلي، إلى جانب تهيئة محيط وادي بوسعادة، وإنشاء مسارات سياحية، فضاءات للراحة، مرافق ترفيهية، ومراكز للتعريف بتاريخ الطواحين المائية وتقنيات استغلال المياه في المنطقة. كما يمكن أن يشكل المشروع نقطة جذب جديدة تُضاف إلى المسار السياحي للمدينة، بما يعزز من مكانتها كقطب سياحي بامتياز.
ويؤكد مهتمون بالشأن المحلي أن تجسيد مشروع “واحة فيريرو” يتطلب تدخلًا فعّالًا من وزارة السياحة
ضمن رؤية تنموية شاملة تُعنى بإعادة الاعتبار للواحات والمعالم التاريخية، واستثمارها في دعم الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل للشباب.
إن بوسعادة، بما تملكه من مقومات، لا تحتاج سوى إلى التفاتة جادة تعيد لها بريقها، وتُحوّل كنوزها الطبيعية والتاريخية إلى مشاريع حية تخدم الحاضر وتستشرف المستقبل. وبين أطلال طاحونة فيريرو وحلم “الواحة” المرتقبة، يبقى الأمل معقودًا على بعث مشروع يعيد الجنة إلى الأرض، ويمنح المدينة المكانة التي تستحقها على خارطة السياحة الوطنية.
أحمد بن قطاف
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
