حين بدأت الحرب «الإسرائيلية» الأمريكية الإيرانية، قالت شبكة «سي إن إن» الأمريكية تحت عنوان «توقيت ضربة إيران يحمل دلالة رمزية يهودية»: إن توقيت الهجوم له دلالة رمزية في اليهودية، متعلق بعيد «البوريم» ومحو أعداء «إسرائيل».
فقبل حلول عيد «بوريم» اليهودي، يقرأ اليهود مقطعًا محددًا من العهد القديم (التوراة) يُعرف باسم «زاخور»، يتضمن أمراً لبني إسرائيل القدماء بتذكر هجوم العماليق عليهم، والسعي للانتقام منهم ومحو ذكراهم.
واعتبر محللون «إسرائيليون» أن انطلاق الحرب في ذكرى عيد «بوريم» امتثال للوصية التوراتية بضرورة مواجهة عدوهم الذي يُسمى العماليق؛ أي أن موعد اندلاعها تحدد بموجب نبوءة دينية توراتية تتحدث عن محو عدو لـ«إسرائيل».
ويقصد بـ«العماليق» في التاريخ العبري قبائل عربية قديمة من فلسطين والجزيرة العربية، لكن الكلمة (العماليق) يُطلقها «الإسرائيليين» حالياً على أي عدو لهم، سواء الفلسطينيين أو الإيرانيين أو غيرهم.
وقف الحرب «عيد»
وحين اندلعت الحرب، ظلت التقديرات «الإسرائيلية» تؤكد أنها لن تتوقف إلا حين يحل موعد عيد «الفصح اليهودي»، وهو العيد الذي يتم الاحتفال به في الفترة بين أول أبريل و9 أبريل، وهو ذكرى خروج بني إسرائيل من مصر ونجاتهم من فرعون، كنوع من الرمزية وتحقيق النصر.
وكانت المفارقة أنه حين تحدث الرئيس الأمريكي ترمب، في 23 مارس 2026م، عن مفاوضات وصفقة محتملة مع إيران، بعدما هدد بدمار شامل، ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن مسؤولاً «إسرائيلياً» أكد إن «إسرائيل» وواشنطن حددوا يوم 9 أبريل المقبل موعداً لإنهاء الحرب، أي مع مناسبة «عيد الفصح».
وترتبط تسميات وتوقيتات بدء وإنهاء الحروب «الإسرائيلية» بشكل وثيق بدلالات رمزية وتاريخية ودينية يهودية (توراتية)، بهدف إضفاء شرعية دينية على الصراعات، وربطها بسرديات توراتية قديمة، وتعزيز الهوية القومية اليهودية.
كما يتم ربط العمليات الحربية بالأعياد، وغالباً ما تتزامن الحروب أو العمليات العسكرية مع أعياد يهودية ذات دلالات تاريخية، مثل «عيد الفصح» (الخروج) أو «عيد الغفران»، كما يتم ربط توقيتات الضربات العسكرية بقصص توراتية أو ضربات عشر لتعزيز السردية الدينية بوجود عدو لليهود.
ويهدف هذا الارتباط إلى تحويل الحرب من مجرد صراع سياسي إلى معركة وجودية/دينية تربط الحاضر بالماضي التوراتي لتعزيز التماسك الداخلي بين «الإسرائيليين» واليهود عموماً.
واستخدم رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو مصطلحاً توراتياً هو «من هودو إلى كوش»؛ للإشارة إلى محور يسعى لتشكيله يمتد عبر الشرق الأوسط وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط.
والمحور الذي يطرحه نتنياهو، ويمتد من الهند إلى كوش، جاء بالتزامن مع زيارة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي لـ«إسرائيل»، وتنشيط العلاقات «الإسرائيلية» مع إثيوبيا واليونان وقبرص، وهي الدول المرشحة ضمن هذا المحور.
وسبق أن سمى الاحتلال عدوانه خلال رمضان لعام 2021م، على غزة باسم توراتي هو «عومير هتنوفاه» ثم غيره لاحقًا إلى «شوبير هغاليم» أو «كاسر الأمواج».
والتسمية معناها هزّ الحزمة، وهي تسمية مرتبطة بطقس يهودي مرافق للأعياد اليهودية، يأخذ خلاله أحد الكهنة حزمة من باكورة حصاد القمح، ويهزها عاليًا أمام القربان.
وقد رصد موقع «ألترا فلسطين»، في 31 مارس 2022م، نحو 250 اسماً أطلقها جيش الاحتلال «الإسرائيلي» على عملياته العسكرية، أو على أسلحة طورها منذ نشأته، وتبين أن نحو ثُلثها جاء من أسماء توراتية عملية سليمان، ومزجت بقية الأسماء بين تعبيرات التوراة والطبيعة مثل عملية «عمود السحاب» التي تشير إلى الخروج من مصر الوراد في التراث اليهودي.
صلاة «الفصح» في «الأقصى»!
الأكثر خطورة من الناحية الرمزية أن «تل أبيب» أغلقت المسجد الأقصى ومنعت الصلاة فيه في شهر رمضان والعيد، وتحدث مسؤولون صهاينة وصحف عن أن الموعد المقرر لفتحه سيكون مع وقف الحرب مع إيران بالتزامن مع «عيد الفصح» اليهودي؛ أي أن الفتح ليس من أجل المسلمين أصحاب المسجد ليصلوا فيه، ولكن كي يدخل اليهود ساحة «الأقصى» للصلاة وربما ذبح القرابين في ساحة المسجد كمقدمة لبناء «الهيكل» كما تعلن جماعات «الهيكل» وحاولت في أعياد سابقة.
ومنذ تولي حكومة نتنياهو والائتلاف اليميني الديني المتطرف، وهم يقومون بعملية هندسة للوضع في المسجد الأقصى بحيث يتم تقسيم الصلاة فيه زمانياً (تخصيص وقت للمسلمين ووقت لليهود)، ومكانياً (تخصيص مكان لصلاة اليهود).
أما التيار الخلاصي الصهيوني الأكثر تطرفاً بين يهود «إسرائيل»، فيخطط لما يسميه «تسريع مشيئة الرب»! عبر محاولة البحث عن بقرة حمراء لتطهير اليهود من النجس، وهدم المسجد الأقصى لبناء «الهيكل» مكانه.
وقد كشف أبراهام بورغ، رئيس الكنيست الأسبق، القائم بأعمال رئيس «إسرائيل» سابقاً، في حوار مع المذيع الأمريكي تاكر كارلسون، في 24 مارس 2026، عن وجود 5 محاولات «إسرائيلية» متطرفة على الأقل من قبل جماعات يهودية متشددة لتفجير المسجد الأقصى وقبة الصخرة منذ عام 1967م.
«الهيكل» سبب الحرب
وأثناء الحرب مع إيران، عرض المذيع كارلسون أيضاً مقطع فيديو لحاخام «إسرائيلي» يخطط علنًا لإطلاق صاروخ على المسجد الأقصى وإلقاء اللوم على إيران، وبذلك تندلع حرب بين العرب والإيرانيين، وفق رؤيته المتطرفة.
فخلال حلقة من برنامجه تحت عنوان «هل يمكن أن تكون هذه حربًا دينية صُمِمت لإعادة بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى؟»، عرض الفيديو الذي يعرض فيه الحاخام مؤامرته على «الأقصى».
حيث يقول: إنه يمكن أن تطلق «إسرائيل» صاروخاً على مسجد قبة الصخرة بساحة «الأقصى» ونقول: إيران هي من قصفت المسجد الأقصى، وبذلك نتخلص من المسجد ونبني «الهيكل»!
لذا، قال تاكر كارلسون: إنه يعتقد أن السبب الحقيقي للحرب مع إيران رغبة «إسرائيل» في إعادة بناء «الهيكل» الثالث، وإيجاد وسيلة لهدم المسجد الأقصى في القدس لجلب «المخلص» إلى العالم.
وكشف كارلسون أن بعض جنود جيش الدفاع يضعون علانية شارات «Patches» على زيّهم العسكري تُظهر أن هذه هي مهمتهم الحقيقية، وتساءل: كيف يمكن أن نعرف الحقيقة وسط التعتيم الإعلامي في الكيان؟ كيف سنعرف من أطلق صاروخًا على مسجد قبة الصخرة لو حدث ذلك؟ أليس من الممكن أن تفعلها «إسرائيل» ثم تتهم إيران؟
وقال: إنه يمكنهم (اليهود «الإسرائيليون») إطلاق صاروخ أو طائرة مسيرة تصيب قبة الصخرة ويقولون: إن إيران فعلت ذلك عن طريق الخطأ؛ ما يؤدي إلى توجيه أصابع الاتهام لإيران.
ويشارك اليهود في هذه الرؤية ضد المسجد الأقصى، غلاة المتطرفين الإنجيليين في حكومة ترمب وعلى رأسهم وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيت، الذي يضع شعارات الحرب الصليبية على ذراعه.
وقبل توليه منصبه، كشف الوزير الأمريكي عن رؤيته الدينية للمسجد الأقصى المبارك، خلال زيارته لحائط البراق وأنفاق حفرتها «إسرائيل» أسفل المسجد، قائلاً: إن «إسرائيل» شهدت معجزات كثيرة.. فـ«وعد بلفور» عام 1917م، كان معجزة، وقيام «إسرائيل» عام 1948م كان معجزة، واحتلال المسجد الأقصى عام 1967م كان معجزة، وإعلان ترمب القدس عاصمة لـ«إسرائيل» عام 2017م كان معجزة، وليس هناك سبب يمنع أن تكون هناك معجزة أخرى هي إعادة بناء «الهيكل» في ساحة المسجد الأقصى، وهو أمر ممكن، وفق زعمه.
وقال وزير الحرب كأنه يحرض «الإسرائيليين» على نسف «الأقصى»: أنا لا أعرف كيف سيحدث ذلك (بناء «الهيكل» مكان «الأقصى»)، لكن أنتم لا تعرفون كيف سيحدث، وأعرف أنكم ستفعلون!
ومعروف أن تيار «التدبيرية الإنجيلية» (Dispensationalism)، وهو فصيل انشق عن البروتستانتية وينضوي تحته وزير الحرب الأمريكي، ورئيس مجلس النواب الأمريكي والدائرة المحيطة بترمب، يؤمنون – مثل غلاة المتطرفين اليهود- بـ«الملك الألفي»؛ وهي عقيدة تقوم على ضرورة التعجيل ببناء «الهيكل» حتى يأتي المسيح ويحكم ألف سنة.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
