ما يحدث من قلق وخوف شديد عند بعض الناس بسبب تطورات الحرب ليس بالأمر البسيط، فهو يظهر مدى أثر الصدمات النفسية والضغط النفسي الذي تسببه الظروف القاسية، فالإنسان بطبعه يحتاج إلى الطمأنينة والأمان، وعندما تتعرض حياته اليومية لأصوات الانفجارات والتهديدات، قد يشعر بالعجز والارتباك ويظهر عليه القلق الشديد أحياناً حتى من أبسط المؤثرات.
هكذا عبر محمد سلمان صديقي، المقيم في سلطنة عُمان، عبر منصة «إكس»، عن حالة اجتماعية عامة في مجتمع السلطنة، المعروف كنموذج للوئام والتعايش السلمي.
لكن توالي أخبار الحرب واقتراب مشاهدها من جغرافيا السلطنة، وتأثر بعض أراضيها باستهدافات عسكرية جعل كثيراً من العُمانيين في حالة شعورية لم يمروا بها منذ سنوات طويلة، تجمع بين القلق والاتجاه العام إلى ترشيد الإنفاق والتكافل الاجتماعي.
هذه الحالة عبَّر عنها سائق التاكسي العُماني الحسن الحارثي، خلال حديثه لـ«المجتمع»، إذ قال بعدما أبدى قلقه من تطورات الأخبار: الله أعلم في غد أم لا يكون وسط هذا النووي!
عبارة الحارثي بدت بسيطة، لكنها تختصر حالة قلق عميقة تتسلل إلى الشارع العُماني منذ تصاعد الحرب في الإقليم مطلع مارس المنقضي، ويعبر عنه كثير من العمانيين في المجالس.
والمجلس في عُمان ساحة يلتقي فيها الرجال لمناقشة أحوالهم الاجتماعية، وكثيراً ما تكون ملحقة بالمساجد، التي تمثل مركز التصميم الهندسي للأحياء في كل محافظة؛ ما يعني أن المجلس يقوم بدور برلمان مصغر على مستوى محلي في تقليد اجتماعي عريق بالسلطنة.
قلق يومي
في المجالس يتحول القلق من حالة شعورية داخلية إلى تعبير سلوك يومي ملموس، حيث لم يعد الحديث عن الحرب مجرد نقاش سياسي، بل أصبح مرتبطاً بالقرارات الشخصية، وهو ما عكسته النقاشات، التي تعد مرآة دقيقة للمزاج العام، حيث يتكرر السؤال ذاته: ماذا لو طال أمد الحرب؟ وماذا لو اتسعت رقعتها؟
في أحد المجالس، بمنطقة المعبيلة، قال خلفان الرواحي لـ«المجتمع»، وهو موظف حكومي في مسقط: نحن لا نعيش الحرب، لكننا نشعر بها، كل قرار أصبح مرتبطاً بها، حتى أبسط الأمور.
يتعمق هذا التأثير مع استمرار تدفق الأخبار ومتابعة العمانيين لها، خاصة الرجال منهم، حيث يعيش الكثيرون حالة من التعرض غير المباشر للصدمات، حسب التوصيف الوارد في تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2023م، الذي ذكر أن المجتمعات القريبة من النزاعات قد تعاني من أعراض نفسية مشابهة لتلك التي تظهر في مناطق الحرب، نتيجة التعرض المستمر للمحتوى الصادم.
تأثيرات سلبية
تظهر هذه الأعراض في الشارع العُماني عبر التعبير عن القلق والتفكير المفرط، وهو ما أشارت إليه وزارة الصحة العمانية في إرشادات توعوية نشرتها في مارس المنقضي، داعية إلى تنظيم متابعة الأخبار لتجنب التأثيرات النفسية السلبية.
كما أكد حساب نفسيتي، المتخصص في الصحة النفسية، عبر منصة «إكس»، أنه في أوقات الحروب، لا تتوقف التأثيرات عند السياسة، بل تمتد لتضرب الاستقرار النفسي، حيث يرتفع القلق وتسيطر التوقعات الكارثية على التفكير.
المعنى ذاته عبر عنه صديقي بقوله: الخوف لا يأتي فقط من الحدث، بل من تكراره في ذهنك، من متابعة كل تفصيلة وكأنها تحدث بجانبك.
ويرى الطبيب النفسي د. إبراهيم حمدي أن القلق بسبب الأوضاع السياسية والحروب شعور طبيعي، فالدماغ مبرمج ليرصد الخطر حتى لو كان بعيداً عنا جغرافيا، محذراً، عبر منصة «إكس»، من أن التعرض المستمر للأخبار الصادمة يرفع هرمون الكورتيزول، ويزيد الأرق، ويضاعف أعراض القلق، وناصحاً بتنظيم متابعة الأخبار وعدم التعرض للمحتوى السلبي بشكل مكثف.
وفي السياق ذاته، يصف المختص بعلم النفس معاوية سالم الرواحي، الوضع العام في السلطنة بأنه ظرف ما متعودين عليه، مشدداً على أن أمامنا الآن أن نكون وطناً واحداً أمام كل الظروف، وأن الوحدة الوطنية والتكافل هما الرد المناسب؛ ما يعزز جانب التكافل الاجتماعي والمجالس الاجتماعية كمرآة للمزاج العام.
غير أن التأثير لا يقف عند الجانب النفسي، بل يمتد إلى الاقتصاد المنزلي، حيث بدأ كثير من العمانيين التعامل بحذر أكبر مع الإنفاق، وهو ما يعكسه قول سائق التاكسي الحارثي لـ«المجتمع»: حتى الناس في المشاوير تتكلم عن الأسعار، الكل يقول لازم نحسب حساب الأيام الجاية.
تكافل اجتماعي
رغم تصاعد القلق، يظهر جانب آخر من المشهد يتمثل في تعزيز قيم التكافل الاجتماعي، حيث يميل العمانيون إلى ترسيخ تلك القيم في أوقات الأزمات، وهو ما ظهر جلياً في نقاشات مجلس المعبيلة.
وعلى التوازي، تسعى الجهات الرسمية في السلطنة إلى تهدئة المخاوف، حيث أكدت وزارة الخارجية العمانية، في بيانها الصادر في 29 مارس الماضي، على أهمية إحلال السلام وتحقيق الاستقرار، في موقف يعكس السياسة العُمانية التقليدية القائمة على التوازن والحياد، لكن الشارع، بطبيعته، يتفاعل مع الإحساس العام أكثر من البيانات، وهو ما يخلق حالة من الترقب المستمر.
وإزاء ذلك، تدفع هذه الحالة المجتمع إلى إعادة ترتيب أولوياته، حيث يزداد التركيز على الادخار، والاستقرار، وتعزيز الروابط الأسرية، وهو ما عبر عنه الحارثي بقوله: الناس اليوم تفكر في الأمان قبل أي شيء، حتى لو كنا بخير الآن.
شهادات الحارثي وصديقي وغيرهما تكشف مدى تحول الحرب إلى تجربة حياة في الوعي اليومي للعمانيين، ورغم أن الشارع لا يعيش تداعياتها مباشرة في أغلب أراضي السلطنة، فإنه يعيش أثرها النفسي والاجتماعي، في صورة قلق صامت يعيد تشكيل السلوك والتفكير.
فالتحدي الأكبر لا يكمن في الحدث نفسه، بل في كيفية التعايش معه، وفي قدرة المجتمع على الحفاظ على توازنه في ظل حالة من عدم اليقين، يختصرها سؤال بسيط يتردد في كل المجالس العمانية: هل نحن بخير؟ أم أننا فقط نبدو كذلك؟
كريم الدسوقي
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
