تزخر مدينة بوسعادة بالعديد من المعالم التاريخية التي تحكي قصة تطور المدينة منذ نشأتها على ضفاف وادي بوسعادة وواحتها الشاسعة. شهدت المدينة تغيّرًا في النمط العمراني من زمن الخيم وبيوت الطين مرورًا بالحارات وصولًا إلى العمارة الإسلامية العثمانية والأندلسية قبل أن تفرض الفترة الاستعمارية طابعها المعماري المختلف، لتستقر بعد الاستقلال على نمط عرف انتشارًا واسعًا في الجزائر والعالم.
عرفت بوسعادة منذ القدم كوجهة سياحية بامتياز، فتنوع الغطاء النباتي وتعدد تضاريسها وجاذبية أهلها استقطب ملايين الزوار ومنتجي الأفلام السينمائية. وقد ساهم هذا في توسع الإمكانيات المادية والبشرية للسياحة وبناء الفنادق ومناطق التصوير، ومن بين أبرز هذه الفنادق فندق الصحراء الذي شُيد بين سنتي 1905 و1908 وفق الطراز “المورسيكي الجديد”، وهو طراز معماري إحيائي مستمد من الزخارف والتفاصيل الإسلامية في المغرب العربي والأندلس، مع مزج التأثيرات الأوروبية المعاصرة.
يتميز الفندق بساحة مركزية تضم نافورة محاطة بالأقواس والأعمدة المزخرفة، وتوزع الغرف حول الساحة بما يسمح بالتهوية والضوء. إلا أن الطابع الأوروبي يظهر جليًا في حجم النوافذ الأكبر مقارنة بالتقاليد المحلية، حيث تم مزج الخصوصية الإسلامية بروح الحداثة الأوروبية، لتنتج ما يعرف بـ”النافذة نيومورسيكية”.
شهد الفندق تصوير العديد من الأفلام القديمة مثل فيلم Maman Colibri سنة 1929، ويضم 40 غرفة وأجنحة خاصة، بالإضافة إلى مطعم وكافتيريا وقاعة للحفلات وقبة وحديقة واسعة تحولت من قبل الاستعمار الفرنسي إلى سجن وبقيت على هذه الحال حتى اليوم. بعد الاستقلال، تغيرت استعمالات الفندق ما أثر على حالته المعمارية، ومع مرور الوقت تعرض للإهمال وسقوط بعض الجدران وتراكم الأتربة وتدهور النقوش والزخارف، مما يهدد بانهياره الكامل إذا لم يتم التدخل العاجل.
يؤكد المختصون أن فندق الصحراء بحاجة ماسة إلى مشروع شامل للصيانة وإعادة البناء للحفاظ على طابعه التاريخي والمعماري، محذرين من أن استمرار الإهمال قد يؤدي إلى فقدان هذا المعلم التاريخي. ويشدد الخبراء على أن تنفيذ هذا المشروع أصبح ضرورة ملحة، داعين الوزارة الوصية إلى التدخل الفوري وتخصيص الموارد والإشراف على إعادة تأهيل الفندق قبل فوات الأوان.
وأشار المهتمون بالتراث إلى أن الفندق يمثل نموذجًا حيًا للعمارة التاريخية ويملك القدرة على استقطاب السياح من مختلف أنحاء العالم، خاصة الأوروبيين، لما يتمتع به من موقع استراتيجي ومناظر طبيعية خلابة، مؤكدين على أهمية ترميمه وإعادته كفندق سياحي أو محطة سياحية تضيف قيمة لمدينة بوسعادة.
وفي ظل الإهمال المستمر، تبقى الأنظار متجهة إلى السلطات والوزارة الوصية لإطلاق مشاريع عاجلة لحماية هذا المعلم التاريخي وترميمه، مناشدين جميع الفاعلين في القطاع السياحي والثقافي للعمل المشترك للحفاظ على التراث وإعادة بريق السياحة والاستثمار في بوسعادة.
أحمد بن قطاف
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

