الرئيسية 8 شبكة مواقعنا 8 الشبكة الإسلامية 8 ترتيب الأولويات الدعوية

ترتيب الأولويات الدعوية

خَرَجَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ مَرَّةً إِلَى الْحَجِّ فَاجْتَازَ بِبَعْضِ الْبِلَادِ فَمَاتَ طَائِرٌ مَعَهُمْ فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وَسَارَ أَصْحَابُهُ أَمَامَهُ وَتَخَلَّفَ هُوَ وَرَاءَهُمْ، فَلَمَّا مَرَّ بِالْمَزْبَلَةِ إِذَا جَارِيَةٌ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ دَارٍ قَرِيبَةٍ مِنْهَا فَأَخَذَتْ ذَلِكَ ‌الطَّائِرَ ‌الْمَيِّتَ ثم لفته ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت: أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام، وكان أبونا له مال فَظُلِمَ وَأُخِذَ مَالُهُ وَقُتِلَ.

فَأَمَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِرَدِّ الْأَحْمَالِ وَقَالَ لِوَكِيلِهِ: كَمْ مَعَكَ مِنَ النفقة؟ قال: أَلْفُ دِينَارٍ، فَقَالَ: عُدَّ مِنْهَا عِشْرِينَ دِينَاراً تَكْفِينَا إِلَى مَرْوَ وَأَعْطِهَا الْبَاقِيَ، فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ حَجِّنَا فِي هَذَا الْعَامِ، ثُمَّ رَجَعَ(2).

في هذا الموقف تأكيد على أن فقه الأولويات أحد أبرز مظاهر النضج الحضاري في تاريخ المسلمين، إذ يعكس قدرة الأمة على تقدير الأعمال بقدرها، ووضع كل مهمة في موقعها الصحيح، وفق ميزان شرعي يحفظ المقاصد ويحقق المصالح.

مظاهر حرص الدعاة في الحضارة الإسلامية على ترتيب الأولويات الدعوية

1- التدرج في الدعوة:

عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّ عَبْدَالْمَلِكِ بْن عمر بن عَبْدِالْعَزِيزِ، قَالَ لأبيه، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَمْضِيَ لِمَا تُرِيدُ مِنَ الْعَدْلِ، فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ أُبَالِي وَلَوْ غَلَتْ ‌بِي ‌وَبِكَ ‌الْقُدُورُ فِي ذَلِكَ، قَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنَّمَا أَنَا أُرَوِّضُ النَّاسَ رِيَاضَةَ الصَّعْبِ، إِنَّي لَا أُرِيدُ أَنْ أُحْيِيَ الْأَمْرَ مِنَ الْعَدْلِ فَأُوَخِّرَهُ حَتَّى أُخْرِجَ مَعَهُ طَمَعاً مِنْ طَمَعِ الدُّنْيَا فَيَنْفِرُوا مِنْ هَذِهِ وَيَسْكُنُوا لِهَذِهِ(3)، وقيل: إن عمر قال: لا تعجل يا بني، فإن الله تعالى ذم الخمر في القرآن مرتين وحرّمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على ‌الحق ‌جملة فيدفعوه وتكون فتنة(4).

2- التواصي بترتيب الأولويات:

روى البخاري عَنِ ‌ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذاً عَلَى الْيَمَنِ، قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ، فَأَخْبِرْهُمْ: ‌أَنَّ ‌اللهَ ‌قَدْ ‌فَرَضَ ‌عَلَيْهِمْ ‌خَمْسَ ‌صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ».

وعَنْ زُبَيْدٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنِّي مُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ إِنْ حَفِظْتَهَا: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حَقاً بِالنَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ بِاللَّيْلِ، وَلِلَّهِ فِي اللَّيْلِ حَقاً لَا يَقْبَلُهُ فِي النَّهَارِ، وَإِنَّهَا ‌لَا ‌تُقْبَلُ ‌نَافِلَةٌ ‌حَتَّى ‌تُؤَدَّى ‌الْفَرِيضَةُ(5).

3- تقديم الفرائض على النوافل:

قال يحيى بن معاذ: الكيّس من عمال الله يلهج بتقويم الفرائض والجاهل يُعنى بطلب الفضائل، وقال أيضاً: لست آمركم بترك الدنيا، آمركم بترك الذنوب، ترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة، وأنتم إلى إقامة الفريضة أحْوج منكم إلى الحسنات والفضائل(6)، وقال أبو سليمان الداراني: كل من كان في شيء من التطوع يلذ به فجاء وقت فريضة فلم يقطع وقتها لذة التطوع ‌فهو ‌في ‌تطوعه ‌مخدوع(7).

4- تقديم العمل المتعدي إلى الغير على العمل القاصر على النفس:

روى البيهقي والمنذري عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان معتكفاً في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل فسلم عليه، ثم جلس، فقال له ابن عباس: يا فلان، أراك كئيباً حزيناً، قال: نعم، يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لفلان عليّ حق، لا وحرمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه، قال ابن عباس: ‌أفلا ‌أكلمه ‌فيك؟ قال: إن أحببت.

قال: فانتقل ابن عباس، ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟ قال: لا، ولكني سمعت صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم، والعهد به قريب -فدمعت عيناه- وهو يقول: «مَن مَشى في حاجة أخيه، وبلغ فيها كان خيراً من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النّار ثلاث خنادق أبعد ما بين الخافقين».

وقال أبو طالب المكي: قيل لبشر الحافي: إن فلاناً الغني كثير الصوم والصلاة، فقال: المسكين ‌ترك ‌حاله ‌ودخل في حال غيره، إنما حال هذا إطعام الطعام للجياع والإنفاق على المساكين، فهذا أفضل له من تجويعه نفسه ومن صلاته لنفسه مع جمعه للدّنيا ومنعه للفقراء(8)، وعن ابن عباس قال: لأن أعوُل أهلَ بيتٍ من المسلمين شهراً أو جمعة أو ما شاء الله، أحبّ إليَّ من حجّة بعد حجة(9)، وعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: يَقُولُ أَحَدُهُمْ: ‌أَحُجُّ ‌أَحُجُّ، قَدْ حَجَجْتَ، صِلْ رَحِماً، نَفِّسْ عَنْ مَغْمُومٍ، أَحْسِنْ إِلَى جَارٍ(10).

دوافع حرص الدعاة في الحضارة الإسلامية على ترتيب الأولويات الدعوية

1- تحصيل الأجر والثواب:

في عهد الفاروق عمر بن الخطاب أصاب الناس قحط شديد، وكانت قافلة من الشام مكونة من ألف جمل، محملة بأصناف الطعام واللباس قد حلت لعثمان في أرض المدينة، فتراكض التجار عليه، يطلبون أن يبيعهم هذه القافلة، فقال لهم: كم تعطوني؟ قالوا: خمسة في المائة، قال: إني وجدت من يعطيني أكثر، فقالوا: ما نعلم في التجار من يدفع أكثر من هذا الربح.

فقال لهم: إني وجدت من يعطيني على الدرهم سبعمائة فأكثر، إني وجدت الله يقول: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 261)، هل عندكم يا معشر التجار زيادة؟ إني أشهدكم يا معشر التجار، أن القافلة وما فيها من بر ودقيق وزيت وسمن ولباس قد ‌وهبتها ‌لفقراء ‌المدينة، وإنها صدقة على فقراء المسلمين(11).

وروى أبو نصر التمار أن رجلاً جاء يودع بشر بن الحارث قال: قد عزمت على الحج أفتأمرني بشيء؟ فقال له بشر: كم أعددت للنفقة؟ قال: ألفي درهم، قال: فأي شيء تبتغي بحجك نزهة أو اشتياقاً إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله عزّ وجلّ، قال: ابتغاء مرضاة الله عزّ وجلّ، قال: فإن أصبت رضا الله وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضاة الله عزّ وجلّ أتفعل ذلك؟ قال: نعم.

قال: اذهب فأعطها عشرة أنفس؛ مدين يقضي بها دينه، وفقير يرم شعثه، ومعيل يحيي عياله، ومربي يتيم يفرحه، وإن قوى قلبك أن تعطيها لواحد فافعل، فإن إدخالك السرور على قلب امرئ مسلم وتغيث لهفان وتكشف ضر محتاج وتعين رجلاً ضعيف اليقين أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام(12).

2- الحرص على أداء الأفضل في الأعمال:

أوضح ابن القيم أن أفضل الأحوال في التعبد هو التعبد المطلق؛ بمعنى أن يؤدي المسلم العبادة التي حضر وقتها، فيقول: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضلُ العبادات في وقت الجهاد هو الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة اللّيل وصيام النّهار(13).

ويدل على هذا ما جاء عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنِ الْوَلِيدِ، يَقُولُ: قَدْ ‌مَنَعَنِي ‌كَثِيراً ‌مِنَ الْقِرَاءَةِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(14)، وقال ابن تيمية: وَالْحَجُّ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ الَّتِي لَيْسَتْ وَاجِبَةً، وَأَمَّا إنْ كَانَ ‌لَهُ ‌أَقَارِبُ ‌مَحَاوِيجُ فَالصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هُنَاكَ قَوْمٌ مُضْطَرُّونَ إلَى نَفَقَتِهِ(15).

وقال ابن رشد: إن الحج أحب من الصدقة إلا أن تكون سنة مجاعة؛ لأنه إذا كانت سنة مجاعة كانت المواساة عليه بالصدقة واجبة، فإذا لم يواس الرجل في سنة مجاعة من ماله بالقدر الذي يجب عليه بالمواساة في الجملة فقد أثم، وقدر ذلك لا يعلمه حقيقة، فالتوقي من الإثم بالإكثار من الصدقة ‌أولى ‌من ‌التطوع ‌بالحج الذي لا يأثم بتركه(16).

3- الحفاظ على مراتب الأعمال:

اندفع الدعاة في الحضارة الإسلامية إلى ترتيب الأولويات من أجل مراعاة مراتب الأعمال، فلا تتقدم النافلة على الفريضة، ولا يهتم المسلم بفريضة دون أخرى، ويدل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم من موقف سيدنا أبي بكر في بداية خلافته، حين منع قوم الزكاة، فقال: «وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ ‌مَنْ ‌فَرَّقَ ‌بَيْنَ ‌الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ».

4- بناء التوازن ومواجهة الانحرافات:

روى البخاري عَنْ ‌عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الْآنَ، فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «‌صَدَقَ ‌سَلْمَانُ».

عن mohamed

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

جميع الحقوق محفوطة للاعلامي احمد بن قطاف 2009 .. 2025