مع اقتراب الانتخابات الصهيونية المقررة هذا الخريف، تشهد الحالة السياسية في دولة الاحتلال تحورا غير مسبوق، فمنذ تأسيس حزب “يشار” في أيلول/سبتمبر 2025، يتقدم الحزب الذي يقوده رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت على حزب “الليكود” بزعامة بنيامين نتنياهو في استطلاعات الرأي.
فالاستطلاعات المتكررة والمتواترة تظهر تقدم “يشار” بأغلبية ضيقة، فيما تظهر استطلاعات أخرى تقدم إيزنكوت شخصياً على نتنياهو كمرشح مفضّل لرئاسة الحكومة، غير أن قراءة دقيقة لمواقف الرجلين تكشف أن هذا التنافس المحتدم لا ينبئ بتغيير جوهري في المسار الإسرائيلي، وأن الفلسطينيين لن يكونوا مستفيدين منه بأي حال من الأحوال.
مسارات متقاطعة لا متعارضة
ينبع صعود “أيزنكوت” من سيرة شخصية وسياسية تختلف عن سيرة نتنياهو في الشكل لا في المضمون، فالرجل الذي قاد جيش الاحتلال في حرب 2014 على غزة، والذي فقد ابنه في حرب الإبادة على غزة، لم يخرج عن الإجماع الصهيوني الأمني.
فأيزنكوت، الذي دعم الحملة العسكرية على غزة، انسحب من حكومة نتنياهو على خلافٍ حول إدارة الحرب لا جوهرها، فهو دعا إلى وقف إطلاق نار وصفقة تبادل، بينما أصرّ نتنياهو على الاستمرار، ما يعني أن نقطة الافتراق كانت تكتيكية، وتتمحور حول كيف ننهي الحرب بأقل كلفة، لا هل هذه الحرب مشروعة أصلاً، ولهذا فإن الفلسطينيين في هذه المعادلة، طرف غائب لا طرف يُؤخذ في الحسبان.
الكاتب المختص في الشأن الإسرائيلي علي الأعور يؤكد أن الاختلاف الأساسي بين بنيامين نتنياهو وغادي أيزنكوت لا يتعلق بجوهر المشروع الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني، وإنما بطريقة إدارة هذا المشروع وأدوات تنفيذه.
ويشدد “الأعور”، في حديث خاص مع مراسل “المركز الفلسطيني للإعلام”، أن الفارق بين الرجلين هو فرق في الخطاب فقط، فبينما يريد نتنياهو إدارة القضية الفلسطينية عبر الحسم والضم والتفكيك، قد يلجأ “أيزنكوت” إلى الاحتواء والترتيبات الأمنية والمسارات السياسية الجزئية. ما يعني أنه لن لن يكون بالضرورة تحولا جذريا لمصلحة الفلسطينيين.
ويقول: “نتنياهو يمثل تيارا يمينيا أيديولوجيا يسعى إلى حسم الصراع وفرض الوقائع بالقوة، ويعتمد بصورة واضحة على الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة، وعلى التوسع الاستيطاني والضم التدريجي، وإضعاف السلطة الفلسطينية، ومنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة”
في المقابل يرى “الأعور” أن “أيزنكوت” ينتمي إلى المدرسة العسكرية الأمنية الإسرائيلية، ويقدم نفسه باعتباره شخصية أكثر واقعية ومؤسساتية وأقل خضوعا لابتزاز الأحزاب المتطرفة، مستدركا أنه لا يمثل تيارا يساريا أو مؤيدًا للحقوق الفلسطينية، “وإنما يمثل مركزا إسرائيليا أمنيا يرى أن إدارة الصراع يجب أن تتم بطريقة تحافظ على المصالح الإسرائيلية، وتمنع تحول الاحتلال إلى عبء أمني وسياسي ودولي”.
ويعتقد “الأعور” أن فرص التوصل إلى اتفاق مع غزة قد تكون أكبر في عهد “أيزنكوت” مقارنة بنتنياهو، لأن نتنياهو استخدم استمرار الحرب أداةً للحفاظ على ائتلافه السياسي وتأجيل مساءلته عن أحداث السابع من أكتوبر، وفق قوله.
وموقف “أيزنكوت” لا ينطلق من موقف مختلف أو أخلاقي، فهو يرى وفق “الأعور” أن إنهاء الحرب أو تخفيض حدتها ضرورة لإعادة بناء الجيش والمجتمع، وإنهاء أزمة الاحتياط، وترميم العلاقة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة.
ويستدرك الأعور باعتقاده أن المفاوضات في عهد “أيزنكوت” ستبقى محكومة بالشروط الأمنية الإسرائيلية، وعلى رأسها نزع سلاح المقاومة، ومنع عودتها إلى الحكم، وفرض رقابة أمنية طويلة الأمد على القطاع، ما يعني أنه قد تتغير فرص الوصول إلى اتفاق، لكن مضمون الاتفاق سيبقى صعبا على الفلسطينيين إذا لم يستند إلى موقف فلسطيني موحد وضغط عربي ودولي حقيقي.
وفيما يتعلق بما يعرف بـ”حل الدولتين”، يتوقع الأعور أن “أيزنكوت” قد يوقف اندفاع نتنياهو وحكومته نحو قتله نهائيا، “لكنه لن يكون بالضرورة قادرا أو راغبا في تحويله إلى حقيقة سياسية”.
ويرى أن مصطلح حل الدولتين قد يعود إلى الخطاب الدبلوماسي والسياسي، خاصة تحت ضغط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية، دون أن يعني ذلك وجود قرار إسرائيلي فعلي بتنفيذه.
وقال “الأعور”: “أيزنكوت لا يطرح نفسه باعتباره مؤيدا لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، بل يتحدث عن الانفصال عن الفلسطينيين، والحفاظ على أغلبية يهودية، وترتيبات أمنية طويلة، ومسار إقليمي يضمن المصالح الإسرائيلية”.
ويرى أن “أيزنكوت”، قد يقبل بمسار سياسي مرحلي، أو بكيان فلسطيني محدود الصلاحيات ومنزوع السلاح، أو بخطة إقليمية تتضمن إصلاح السلطة الفلسطينية وتوسيع دور الدول العربية، لكنه سيواجه معارضة داخلية واسعة لأي انسحاب كبير من الضفة أو تقسيم القدس.
التغيير لأجل الصورة فقط
يُنسب إلى “أيزنكوت” قدر من “الاعتدال” يجعله يستقطب ناخبين صهاينة قلقين من نفوذ إيتمار بن غفير وسموتريش، لكن القلق هنا محدد، هو قلق من التطرف الذي يشوه صورة دولة الاحتلال دولياً ويستنزف علاقاتها مع واشنطن، لا رفض لمشروع الاستيطان أو لضمّ المزيد من أراضي الضفة.
فأيزنكوت لم يطرح في أي لحظة من مسيرته العسكرية أو السياسية، مشروعاً يساوي بين المستوطنين والمواطنين الفلسطينيين أو يعترف بحق وطني فلسطيني، وحدود “اعتداله” هي حدود الليكود التقليدي في زمن شارون وباراك، إدارة ذكية للاحتلال، لا إنهاؤه.
ويتوقع “الأعور” تراجع مستوى الدعم السياسي العلني للمستوطنين، والحد من بعض البؤر الاستيطانية غير القانونية وفق القانون الإسرائيلي، وتراجع صلاحيات شخصيات مثل سموتريتش وبن غفير إذا تشكلت حكومة وسط.
ويرى احتمالية أن تتعامل حكومة أيزنكوت بجدية أكبر مع اعتداءات المستوطنين التي تسيء إلى صورة دولة الاحتلال دوليا وتخلق مشكلات أمنية للجيش، وأن توقف بعض القرارات الاستيطانية الأكثر استفزازا، خاصة إذا كانت تعرقل العلاقة مع الإدارة الأمريكية أو الدول الأوروبية.
ونفى إمكانية الوقف الشامل للاستيطان، وقال: “الاستيطان لم يبدأ مع نتنياهو، وهو سياسة دولة تتبناها حكومات إسرائيلية مختلفة منذ عقود.. أيزنكوت قد يفرّق بين الكتل الاستيطانية الكبرى التي يريد الاحتفاظ بها، وبين البؤر المعزولة التي قد يستخدمها ورقة في أي تسوية سياسية، لذلك قد نشهد إبطاءً لبعض المشاريع أو إعادة تنظيمها، لكن ليس تفكيكًا للمشروع الاستيطاني”.
القدس نقطة إجماع
تعد قضية مدينة القدس من أكثر الملفات التي يصعب توقع تغيير جوهري فيها، لوجود إجماع واسع داخل الأحزاب الصهيونية، من اليمين إلى الوسط، على اعتبار القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني.
يقول “ضيف المركز” إن “أيزنكوت” قد يختلف عن نتنياهو في مستوى السماح للجماعات الدينية المتطرفة باقتحام المسجد الأقصى أو تغيير الوضع القائم فيه، لأنه يدرك أن هذه الإجراءات قد تفجر مواجهة فلسطينية وإقليمية واسعة، وقد يسعى إلى ضبط تحركات الوزراء والمستوطنين المتطرفين، وتقليل الاستفزازات العلنية، والحفاظ على التنسيق مع الأردن والولايات المتحدة”.
ويستدرك “الأعور” بأن ذلك لا يعني أن “أيزنكوت” سيقبل بتقسيم القدس أو الاعتراف الفوري بشرق القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، وقال: “قد تكون سياسته أكثر حذرا وأقل استفزازا، لكنها ستبقى قائمة على تكريس السيطرة الإسرائيلية، والاستمرار في مشاريع التهويد والاستيطان ضمن صيغ أقل صخبا”.
أفق مسدود
وباختصار شديد فإن ما يطرحه صعود إيزنكوت، على بساطته الظاهرة، هو فرصة لدولة الاحتلال لإعادة تدوير نخبتها الحاكمة تحت مظهر التجديد، لكن بنية الخلاف بينه وبين نتنياهو تبقى تفصيلية، إدارة وقف إطلاق نار لا مواصلة الحرب، خطاب أكثر هدوء تجاه واشنطن لا مواجهة مفتوحة، واستيطان هادئ مستمر، وقدس تستمر معاناتها بشكل أقل صخبا.
وفي كل بند من هذه البنود، يبقى السؤال الفلسطيني، كقضية حقوق وسيادة ومواطنة، غائباً عن قلب البرنامج، ولذلك، فإن أي توقع بأن إسقاط نتنياهو سيفتح، تلقائياً، أفقاً أفضل للفلسطينيين لا يستند إلى أي دليل في مواقف “إيزنكوت” العلنية أو سيرته.
وتبقى الانتخابات الصهيونية المقبلة، بمعنى آخر، هي استفتاء إسرائيلي على نتنياهو، لا على المسار الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين ذلك المسار الذي مهما تبدّلت الوجوه، يظل ثابتاً في محوره الأساسي.
المركز الفلسطيني للإعلام
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
