لم تكد تمر ساعات على الهجوم الذي شهدته بلدة تل جنوب غرب نابلس، حتى تحولت البلدة إلى مركز تصعيد واسع امتدت آثاره إلى مختلف قرى المحافظة. فبينما كانت العائلات تستعد لتشييع شهدائها، بدأت قوات الاحتلال بفرض إجراءات عسكرية مشددة، ترافقت مع اقتحامات، وعمليات تجريف، وإغلاق للطرق، إلى جانب قرارات حكومية وعسكرية فتحت الباب أمام موجة جديدة من التوسع الاستيطاني، في مشهد يرى مراقبون أنه يتجاوز الرد الأمني ليكرس سياسة العقاب الجماعي وفرض وقائع جديدة على الأرض.
تل.. من مجزرة دامية إلى نقطة تحول
شهدت بلدة تل هجومًا نفذه مستوطنون بحماية قوات الاحتلال، ما أدى إلى استشهاد أربعة فلسطينيين وإصابة آخرين. وخلال المواجهات قُتل ضابط وجندي من جيش الاحتلال، لتتحول الحادثة سريعًا إلى ذريعة أعلنت على إثرها حكومة الاحتلال سلسلة إجراءات عسكرية وأمنية غير مسبوقة في محافظة نابلس.
قيود على الشهداء وحصار على القرى
وفرضت سلطات الاحتلال شروطًا مشددة على تشييع الشهداء، شملت تحديد موعد الدفن خلال ساعات الفجر، وحصر المشاركة بعدد محدود من أقاربهم، ومنع أي مظاهر وطنية، فيما اضطرت العائلات إلى القبول بهذه الشروط خشية استمرار احتجاز الجثامين.
وفي الميدان، شددت قوات الاحتلال الحصار على بلدة تل والقرى المجاورة، وأغلقت مداخلها بالحواجز العسكرية، بالتزامن مع حملات اقتحام واعتقال طالت عددًا من المناطق جنوب نابلس، في إطار سياسة تضييق تستهدف السكان عقب الأحداث.
المنازل والأراضي في مرمى الاستهداف
وامتدت الإجراءات إلى استهداف منازل الفلسطينيين، حيث اقتحمت قوات الاحتلال منزل الشاب الذي تتهمه بتنفيذ العملية، وأجرت قياسات تمهيدًا لهدمه، كما استولت على منزل في قرية مادما وحولته إلى ثكنة عسكرية ونقطة مراقبة.
وفي الوقت ذاته، تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في بلدة تل للتجريف، واقتلعت مئات أشجار الزيتون، ما ألحق خسائر كبيرة بالمزارعين، بينما واصل مستوطنون إقامة بؤر استيطانية جديدة في محيط نابلس.
قرارات الاحتلال تدخل حيز التنفيذ
بالتزامن مع التصعيد الميداني، أعلنت حكومة الاحتلال توسيع عملياتها العسكرية في الضفة الغربية، وتعزيز انتشار قواتها، وتنفيذ حملات مداهمة واعتقال، وتشديد القيود على الفلسطينيين، إلى جانب تسريع شرعنة البؤر الاستيطانية وإقامة أخرى جديدة.
وسرعان ما بدأت هذه القرارات تأخذ طريقها إلى التنفيذ في محافظة نابلس، مع الدفع بتعزيزات عسكرية إضافية وإقرار خطط هجومية جديدة، لتكون المحافظة أولى ساحات تنفيذ هذه السياسة.
تحذيرات أممية من تصاعد عنف المستوطنين
في المقابل، حذرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، من تصاعد هجمات المستوطنين، مؤكدة أن ما يجري في شمال الضفة الغربية يعكس مرحلة أكثر خطورة من العنف ضد الفلسطينيين.
ودعت ألبانيزي المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لحماية المدنيين الفلسطينيين، مشيرة إلى أن اعتداءات المستوطنين تتم في كثير من الأحيان تحت حماية قوات الاحتلال.
ما يجري جزء من مشروع استيطاني قديم
ويرى المختص في شؤون الاستيطان خليل تفكجي أن ما تشهده بلدة تل لا يمكن فصله عن مخططات أوسع تستهدف إعادة رسم الخريطة الجغرافية للضفة الغربية.
وقال تفكجي في تصريح صحفي إن الاحتلال يستثمر التطورات الأخيرة لتسريع إقامة البؤر الاستيطانية وشق الطرق الالتفافية وربط المستوطنات ببعضها.
وحذر من أن عدداً من القرى الفلسطينية باتت تواجه خطر التهجير التدريجي، ضمن سياسة تهدف إلى فرض السيطرة على الأرض وتقليص الوجود الفلسطيني فيها.
مرحلة جديدة من التصعيد
تشير التطورات المتلاحقة في محافظة نابلس إلى أن أحداث بلدة تل لم تبقَ في إطارها المحلي، بل تحولت إلى محطة استخدمتها سلطات الاحتلال لتوسيع إجراءاتها العسكرية والاستيطانية. وبين الحصار، وهدم المنازل، وتجريف الأراضي، وإقامة البؤر الجديدة، تبدو المحافظة أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع السياسات الاستيطانية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من اتساع دائرة التصعيد في شمال الضفة الغربية.
المركز الفلسطيني للإعلام
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
