يكاد لا يوجد شاب أنهى حياته التعليمية أو أوشك على ذلك إلا ويشغله التفكير في فرصة عمل مناسبة توفر له دخلا يعينه على الاعتماد على نفسه وبناء حياته الجديدة ويسهم في تخفيف العبء الملقى على كاهل أسرته ومن ثم تتوالى في ذهنه أسئلة كثيرة: أين سأعمل؟ وهل ستكون طبيعة عملي متوافقة مع تخصصي الدراسي؟ أم سأحتاج إلى اكتساب مهارات جديدة تؤهلني لسوق العمل سواء داخل الوطن أو خارجه؟
ومع التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل لم تعد هذه هي الأسئلة الوحيدة المطروحة، بل قد يمتد التساؤل أحياناً إلى ما هو أبعد من ذلك: هل الوظيفة هي الخيار الوحيد أم أن هناك مسارات أخرى يمكن أن تحقق له النجاح والاستقرار المالي والمهني؟ خاصة أن الوظائف الحكومية التي كانت لعقود طويلة الحلم الأكثر حضوراً في الوعي العربي لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، كما أن أسواق العمل الخاصة نفسها تشهد منافسة حادة، ومن هنا يبرز العمل الحر بوصفه أحد أهم الخيارات التي فرضت نفسها بقوة اليوم.
ولم تأت هذه التحولات من فراغ، وإنما فرضتها حقائق اقتصادية وديموجرافية تضع المجتمعات العربية أمام تحديات غير مسبوقة؛ وهو ما تكشف عنه الأرقام بوضوح، إذ تشير أحدث بيانات الأمم المتحدة و«الإسكوا» إلى أن العالم العربي يضم نحو 82 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، ويرتفع العدد إلى 110 ملايين إذا اعتمدنا الفئة العمرية 15–29 عاماً في حين يقدر عدد العاطلين من الشباب في المنطقة بنحو 7 إلى 8 ملايين شاب وشابة، وهي من أعلى معدلات بطالة الشباب في العالم.
ما العمل الحر؟
على الرغم من أن بعض الباحثين يرون أن هناك أزمة في تعريف العمل الحر، فإن منظمة العمل الدولية تعرفه بأنه الشخص الذي يعمل في نشاط اقتصادي يملكه أو يشارك في ملكيته ويعتمد في دخله على ما يحققه هذا النشاط دون ارتباط بوظيفة دائمة لدى جهة واحدة.
ويكشف هذا التعريف عن الفارق بين ثلاثة مفاهيم تختلط على كثير من الناس، فأما المفهوم الأول هو العمل عن بُعد؛ ويعني قيام العامل بالعمل لصالح شركة أو مؤسسة من أي مكان لكنه يظل مرتبطاً بعقد وظيفي وتأمينات وأنظمة عمل، فيما المفهوم الثاني هو العمل المستقل؛ حيث يقدم الشخص خدمات لمجموعة من العملاء أو الجهات المختلفة مقابل أجر لكل مهمة أو مشروع، وهو هنا يرتبط بزمن محدد، ثم المفهوم الثالث وهو ريادة الأعمال؛ ويعني إنشاء مشروع جديد يقوم على فكرة ابتكارية قابلة للنمو وتوظيف الآخرين.
في هذا السياق، وبناء على هذه الفوارق، لا بد أن يميز الشباب بين خصائص كل نموذج وما يترتب عليه من التزامات قانونية ومالية، فلا يظن مثلاً أن كل عمل عبر الإنترنت هو عمل حر، بينما الواقع أن بعضه وظيفة عن بُعد وبعضه تجارة إلكترونية وبعضه عمل مستقل.
ورغم أن مجالات العمل الحر كانت ترتبط في أذهان الناس بالحرف اليدوية أو المتاجر الصغيرة أو المهن الفردية التقليدية، فإن الثورة الرقمية ساهمت في تنويع مجالاته، فالشاب في أي مكان يستطيع أن يعمل لعميل في مكان آخر دون أن يغادر غرفته.
وقد برز من بين هذه الأعمال المجالات التقنية والإبداعية والمعرفية كالبرمجة وتصميم المواقع وتحليل البيانات والأمن السيبراني والتصميم الجرافيكي والمونتاج والتعليق الصوتي وكتابة المحتوى والترجمة والتعليم الإلكتروني والاستشارات المهنية والتسويق الرقمي وإدارة حسابات التواصل الاجتماعي وغير ذلك.
ونتيجة لاتساع هذه المجالات وأهميتها، فقد أصدرت الجهات الحكومية في بعض الدول العربية تراخيص رسمية لعشرات المهن الحرة في هذه المجالات بهدف تنظيم السوق وحماية المتعاملين وتشجيع الشباب على دخول الاقتصاد الرقمي بطريقة قانونية ومنظمة.
بين الإيجابية والسلبية
ربما ومع انتشار مفهوم العمل الحر وتنوع مجالاته في السنوات الأخيرة، أصبح خياراً جذاباً لشريحة واسعة من الشباب العربي، خاصة وأن ثمة عوامل محفزة تدفع إليه يبرز منها تقلص الوظائف الحكومية وسهولة الوصول إلى السوق والرغبة في الاستقلال والتحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي.
كما أن العمل الحر يتسم بحزمة من المميزات الإيجابية التي تغري الشباب الطموح، ومنها مرونة المكان والزمان وتنويع مصادر الدخل وتحويل الموهبة إلى رزق والتعلم السريع وإمكانية التطور إلى مشروع أكبر.
ولا ننسى أن العمل الحر لا يتعارض أيضاً مع التصور الإسلامي، بل قد يكون الأقرب إلى روح الإسلام إذا قام على الصدق والأمانة والإتقان والوفاء بالعقود والبعد عن الغش والتدليس.
لكن في مقابل هذه المزايا، هناك سلبيات تمثل تحديات للمقبلين على العمل الحر، تتمثل في عدم استقرار الدخل وفقدان الكثير مما يحظى به الموظفون؛ كالتأمين الصحي والإجازات المدفوعة والمعاشات التقاعدية وتعويضات إصابات العمل، فضلاً عن أن المنافسة في مجالات العمل الحر لم تعد محلية، بل أصبحت عالمية.
وتشتمل هذه التحديات أيضاً على مسألة إدارة الوقت؛ إذ المرونة في الوقت يمكن أن تتحول إلى عبء إذا لم يحسن الإنسان تنظيم يومه، بالإضافة إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يفرض نفسه بقوة حيث يمكنه إنجاز الكثير من الأعمال المتعلقة بمجالات العمل الحر.
بناء ثقافة جديدة
في ضوء ما تقدم، لا يمكننا الجزم بالقول: إن العمل الحر فرصة أو وهْم، إذ معيار الحكم هنا يعتمد على الطريقة التي ننظر بها إلى العمل الحر فهو فرصة حقيقية لمن يمتلك مهارة تحتاجها السوق ويؤمن بأن النجاح لا يأتي بين ليلة وضحاها ويستثمر في التعلم المستمر ويطور نفسه باستمرار ويتحلى بالصبر والانضباط والأمانة.
غير أنه يكون وهْماً كبيراً لمن يظن أنه طريق سريع للثراء أو أنه يغني عن العلم والخبرة أو أنه يستطيع أن ينافس الأسواق العالمية بمجرد مشاهدة دورة تدريبية أو مقطع قصير على
ونخلص من هذا أن المشكلة ليست في العمل الحر ذاته، وإنما في الثقافة المحيطة به، فالبعض لا يزال يرى أن النجاح لا يتحقق إلا من خلال الوظيفة، وآخرون يزدرونها معتبرين أن العمل الحر الطريق الوحيد للمستقبل.
ولا شك أن كلا التصورين يحتاج للمراجعة، فالوظيفة ستظل مطلوبة في كثير من القطاعات، كما أن العمل الحر ليس مناسباً للجميع، فضلاً عن أن عالم اليوم لم يعد يسمح بثقافة انتظار الوظيفة، ولا يقبل بأن يبقى ملايين الشباب أسرى لفكرة أن الدولة وحدها مسؤولة عن توفير فرص العمل، ليس بسبب تراجع قداتها على استيعاب الخريجين فحسب، وإنما لأن الاقتصاد العالمي نفسه يتجه نحو نماذج أكثر مرونة تعتمد على المهارة والابتكار والعمل المستقل.
وحتى يمكن الاستفادة من التحولات والتطورات، فإنه يلزم عدم الاكتفاء بمجرد دعوة الشباب إلى العمل الحر، وإنما العمل أيضاً على بناء ثقافة جديدة تبدأ من الأسرة وتمر بالمدرسة والجامعة وتنتهي بسياسات حكومية تشجع المبادرة وتحمي العاملين المستقلين وتيسر التمويل وتربط التعليم باحتياجات سوق العمل، مع التأكيد على أن المستقبل لن يكون للأكثر حصولاً على الشهادات، وإنما للقادرين على التعلم واكتساب المهارات.
https://mugtama.com/a/az8w8ngj :إقرأ المزيد
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
