في السودان، حيث تحولت فصول الدراسة إلى ثكنات عسكرية أو مراكز لإيواء النازحين، لم يعد التعليم مجرد حق مهدور، بل بات مشروعًا للنجاة في بلد يغرق في أطول صراع دموي شهدته المنطقة في العقد الأخير.
وبحلول يوليو 2026م، ومع استمرار اشتعال الحرب، أصبح المعلم السوداني بين خياري الجوع المطبق أو الاستقالة القسرية، وقد أفرزت الحرب جيلًا من الأطفال يواجه أُمية إجبارية بفعل هذه الحرب المجنونة التي تتعمد تدمير حاضر ومستقبل السودان.
المعلم السوداني على قارعة الطريق
منذ اندلاع التمرد العسكري الذي قادته قوات «الدعم السريع» في أبريل 2023م على الجيش السوداني، تعرض قطاع التعليم في السودان لعملية تفكيك ممنهج، ولم تكن رواتب المعلمين في أفضل حالاتها قبل الحرب، لكنها بعد اندلاع النزاع توقفت تمامًا في معظم الولايات، متجاوزة فترات انقطاع وصلت في بعض المناطق إلى أكثر من 15 شهرًا.
يقول علي مهدي، معلم في المرحلة الثانوية بالخرطوم لـ«المجتمع»: لم أترك مهنة التعليم حبًا في التجارة أو العمل الشاق في الأسواق، بل لأن الكرامة لم تعد تحتمل رؤية أبنائي يتضورون جوعًا، بعد أن سيطرت قوات «الدعم السريع» على مدرستنا وحولتها إلى نقطة ارتكاز، انتهى كل شيء، تركت الطباشير لأحمل بضائع في شاحنات النقل، واليوم أنا معلم بلا مدرسة، وأب بلا قدرة على توفير الرسوم الدراسية لأطفالي.
هذه الشهادة ليست استثناءً، بل هي القاعدة في مشهد المعاناة، حيث تشير أحدث التقارير الميدانية إلى أن ما يقرب من 500 ألف معلم باتوا عاطلين عن العمل فعليًا، أو اضطروا للبحث عن مهن بديلة كعمال باليومية أو باعة متجولين أو لجؤوا للهجرة القسرية لضمان البقاء على قيد الحياة.
تسرب المستقبل
وتشير أحدث البيانات إلى انهيار شبه كامل للبنية التحتية التعليمية، حيث تؤكد التقارير الدولية، بما فيها منظمتا «يونيسف» و«أنقذوا الأطفال»، أن أكثر من 8 ملايين طفل باتوا خارج الفصول الدراسية، مع تقديرات غير رسمية تشير إلى أن الرقم قد يتجاوز 17 مليون طفل إذا أخذنا في الاعتبار الانقطاع التراكمي منذ بدء الحرب.
وعلى صعيد خريطة التعليم، يظهر التباين الحاد بين ولايات السودان المختلفة، ففي ولايات مثل دارفور وكردفان، لا تزيد نسبة المدارس العاملة على 3%، بينما تحاول ولايات أخرى مثل نهر النيل والبحر الأحمر استئناف الدراسة وسط تحديات لوجستية وأمنية خانقة، حيث يمثل انخفاض الرواتب وغياب الحوافز العائق الأكبر أمام المعلمين للاستمرار في أداء رسالتهم.
مطالب مشروعة للمعلمين
ولم يقف المعلمون مكتوفي الأيدي أمام هذا الانهيار، فقد قادت لجنة المعلمين السودانيين سلسلة من الوقفات الاحتجاجية والبيانات الدورية، مؤكدة مطالب جوهرية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتتخلص مطالب المعلمين في الآتي:
1- الوقف الفوري للحرب كشرط أساسي لعودة الحياة للعملية التعليمية.
2- رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع معدلات التضخم الجامحة التي أكلت دخول المعلمين، وصرف المتأخرات المجمّدة منذ أكثر من عام.
3- تجريم استخدام المدارس كمعسكرات أو مراكز إيواء للنازحين، وضمان بيئة تعليمية آمنة.
عجز المنظمات الدولية
بينما تشير «يونسكو» و«يونيسف» إلى ضرورة إنقاذ الجيل الضائع، إلا أن التدخلات تظل في إطار الإسعافات الأولية التي لا ترقى لحجم الكارثة، وعلى الرغم أن منظمة «يونيسف» تقوم بمجهود كبير، حيث تواصل إطلاق حملات «التعلم الآمن» ودعم إعادة تأهيل الفصول، وتوفير حوافز نقدية للمعلمين في بعض المناطق الآمنة، فإن نقص التمويل الدولي جعل هذه البرامج غير قادرة على تغطية الاحتياجات المتفاقمة، وظل دورها محدودًا في مناطق محدودة جدًا دون الوصول إلى المدن والأرياف السودانية.
ومن جهتها، تركز «يونسكو» على الحفاظ على ضمان استمرارية التعلم عبر المنصات الرقمية في المناطق التي تتوفر فيها شبكات الإنترنت، وهو حل اصطدم بضعف البنية التحتية التكنولوجية والدمار الواسع الذي طال مراكز التعليم وشركات الاتصالات، حيث تعمد المتمردون تدمير محطات الاتصالات والإنترنت إلى جانب المدارس.
نماذج سودانية مشرفة
ومع اشتداد الأزمة وغياب الدور الرسمي للدولة، أصر المجتمع السوداني على إنتاج نماذج مشرفة يتحدى بها كل معوقات التعليم وخاصة ضعف الرواتب وغياب المعلمين وانهيار المدارس وسيطرة «الدعم السريع» عليها، حيث تحولت المساجد وخيام النازحين وحتى ظل الأشجار إلى فصول دراسية يديرها معلمون متطوعون يقدمون دروس تقوية أساسية، معتمدين على تبرعات محلية وأسرية بسيطة.
ومن تلك النماذج مبادرة «التعليم الموازي»، حيث قدم أولياء الأمور تجارب بالتعاون مع معلمين نازحين لإنشاء تجمعات تعليمية مصغرة لتقليل الفجوة المعرفية، وهي نماذج أثبتت أنها أحد أطواق النجاة التي رغم تواضع إمكاناتها، فإنها نجحت في إعادة أعداد كبيرة من المعلمين والأطفال إلى المدارس.
وأخيرًا، يجمع خبراء التربية في السودان على أن إنقاذ العملية التعليمية يتطلب ضغطاً دولياً مكثفاً على «الدعم السريع» لعدم قصف المدارس أو احتلالها، وتحييد العملية التعليمية بعيدًا عن الصراع العسكري، وتأسيس صندوق وطني لتلقي تبرعات داخلية وخارجية تكون مهمته دفع رواتب المعلمين ورفعها إلى المستوى اللائق بهم، وإلى جانب إعادة ترميم المدارس المتأثرة بالحرب، إضافة إلى التنسيق والتعاون مع النماذج الشعبية في التعليم ومحاولة دعهما وتطويرها حتى تسيطر الشرعية السودانية على كل المناطق التي تحتلها «الدعم السريع» وتقضي فيها على العملية التعليمية.
https://mugtama.com/a/ajQe6lxj :إقرأ المزيد
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
