من فضل الله عليَّ أن أكرمني بجِلْسةٍ يومية بعد صلاة الفجر في المسجد، مع بعض الأصحاب والأحباب، نقرأ فيها صفحاتٍ من القرآن، نرتِّل الآيات، ونتعلَّم تجويدها وترتيلها، ونشرح بعضًا من غريبها ومفرداتها، ونتدبَّر شيئًا من معانيها، ونتطرَّق إلى بعض وجوه القراءة والنحو واللغة والبلاغة فيها، ونسمع رواية ورشٍ عن نافع من أحد متقنيها، ونصحِّح ما يلحن فيه بعض القَرَأَة في القراءة أو التجويد، فنشعر أننا في روضة من رياض الجنة، ولا نتألَّى على الله، ونرجو أن ندخل في عِداد من ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال فيما يرويه عنه أبو هُرَيْرَة: «مَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله يَتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ فِيمَا بَينهم إِلَّا نزلت عَلَيْهِم السكينَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده»(1).
تدبُّر القرآن
ولا ريب عندي أن تدبَّر القرآن، وفهم معانيه، وإدراك أسرار بلاغته، والوقوف على جمال بيانه، لا يقل أهميةً وشأنًا عن ترتيله وتجويده وقراءته وإقامة حروفه، بل هو المقصد والغاية من القراءة؛ فالله جل وعلا يقول في محكم تنزيله؛ (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أولو الألباب) (ص 29)، ويقول سبحانه: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: 24).
وابن مسعود رضي الله تعالى عنه وهو من أعلم الصحابة كان يقول: «لَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، وَلَا تَهُذُّوهُ هَذَّ الشِّعْرِ، قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ، وَلَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ»(2).
والدَقَلُ: أردأ التمر، ومعنى: «ينثرونه نثر الدقل» أي: كما يتساقط الرطب اليابس من العِذْق إذا حُرِّك، وهي كناية عن سرعتهم في القراءة.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود: أنّ رجلاً قال له: إني أقرأ المفصّل في ركعة واحدة، فقال: هذًّا كهذِّ الشّعر! إنّ قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه، نفع(3).
وقال أبو الدرداء: «إِيَّاكُمْ وَالْهَذَّاذِينَ الَّذِينَ يَهُذُّونَ الْقُرْآنَ، يُسْرِعُونَ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ ذلكَ كَمَثَلِ الأَكَمَةِ التي لَا أَمْسَكَتْ مَاءً وَلَا أَنْبَتَتْ كَلَأً»(4).
وقد وصف بعض أهل العلم تدبُّرَ القرآن بأن يشغل القارئ قلبَه بالتفكُّر في معنى ما يلفِظُ به، فيعرفَ معنى كل آية، ويتأمَّل ما فيها من الأوامر والنواهي، ويعتقدَ قبولَ ذلك، فإن كان مما قصَّر فيه فيما مضى اعتذَرَ واستغفرَ، وإذا مرَّ بآية رحمةٍ استبشَرَ وسأل، أو عذابٍ أشفقَ وتعوَّذ، أو تنزيهٍ نزَّه وعظَّم، أو دعاءٍ تضرَّع وطلبَ.
ومن التدبر الوقوفُ عند عجائب القرآن، وما أعظمَها! وما أكثرَها! وما أدهشَها! بدءًا من قصص القرآن.. ومرورًا بأحكامه وإرشاده ووعظه وتذكيره.. وانتهاءً بما كشف العلم الحديث عن صدقه ودقته ومطابقته لحقائقه.
سورة «يوسف» نموذجاً
فأنتَ إذا ما قرأت سورة يوسف، وتابعت أحداثها، من مستهلها إلى منتهاها، ألفيتها حقًّا أحسن القصص كما نعتها ربنا سبحانه؛ (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ {1} إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ {2} نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) (يوسف).
فقوله تعالى: (أَحْسَنَ الْقَصَصِ) توطئة إلى أجمل سردٍ لأحسن قصة في القرآن؛ لأن كلَّ قضية فيها تُلِيت بخير، وكل محنة آلتْ إلى منحة، وكل ضيقٍ أفضى إلى سَعة، وكل شدة انتهت برخاء:
- رُمِيَ في الجبِّ.. فنجا.
- وبيع بثمن بخسٍ ليكون عبدًا.. فاتُّخذَ ولدًا.
- وراودته امرأة العزيز.. فاستعصم وكان الطاهرَ العفيف.
- ودخل السجن.. فخرج وزيرًا عزيزًا.
- ظفر به إخوته أولًا.. وظفر بهم آخرًا.
- حزن عليه والده حتى فقد نظره.. ثم ارتدَّ إليه بصره وقرَّت به عينه.
- رأى رؤياه التي خاف عليه منها أبوه.. ثم انتهت القصة بتحقق الرؤيا وسجود الوالدين والإخوة له فناسب الختام البدء.
وأنت تقرؤها فيُعتصر قلبك وَجَعًا وحُزنًا لمشاهدِ الحزن والظلم والافتراء فيها؛ من لدن تآمرَ إخوة يوسف عليه وألقوه في قعر الجب، إلى ما انطوى عليه صدر يعقوب عليه السلام من الحزن والأسى والأسف والصبر الجميل، وإلى كيد امرأة العزيز واتهامها له وسجنه ولُبثه في السجن بضع سنين.
ويكاد قلبُك يرقص فرحًا بنجاة يوسف من كل محنة يقع فيها، إذ ترى بأمِّ عينيك كيف تغدو المحنة منحةً، والابتلاء فرجًا، وكيف ينقلب الكيد على مدبِّرِه، وينجو يوسف من كل مأزق وقع بِه.
ويصافح سمعَك وقلبك وضميرك ووجدانك هذا الخلقُ الرفيع من يوسف وأبيه عليهما السلام؛ فخُلُق الأب الرضا بقسمة الجليل، والصبر الجميل، والحزن الأصيل، والتقى والصلاح.. والسماحة والسمو.. والحب والتحنان.. والرأفة والرحمة.. وكظم الغيظ وعدم الغضب.. والشفقة والاستغفار لمن أساء..
وخُلُقُ يوسف الطيبةُ والحب.. والترفُّع عن الدنايا والتسامي عن الحقد والغلّ.. والعفةُ والطهارة.. والحكمةً والمعرفة.. والإحسانُ والبر.. والصدقُ والأمانة.. والمسامحةُ والنصح.. والأدب البالغ مع كل من صحبه أو رآه أو أساء إليه وآذاه.
وما أظن قارئًا لها، حاضرَ القلب في قراءتها، أو سامعًا لتلاوتها، متدبِّرا ما يسمع منها، إلا وهو متأثِّرٌ أشدَّ الأثرِ بأحداثها وسردها وشخوصها وحوارها، وكل آية فيها، وهي لا تَخْلُقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، فمهما كُرِّرتْ وردِّدتْ وأعيدتْ وسُمعت تتوهَّج كلماتُها وتنير آياتها وتُحدثُ أثرَها البديع في نفس القارئ والسامع.
لا يكن هَمّ أحدكم آخر السورة
ولا ريب أن في الإكثار من تلاوة القرآن فضلًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا، ولكن لا ينبغي أن يصرفنا هذا عن التدبُّر والتذوق، وتحريك القلوب، والوقوف عند العجائب، واكتناه أسرار البلاغة وجمال البيان.
فقد روي عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: «لا خير في قراءة ليس فيها تدبُّر»(5)، وقال الحسن بن علي: «اقْرَأِ الْقُرْآنَ مَا نَهَاكَ، فَإِذَا لَمْ يَنْهَكَ فَلَسْتَ تَقْرَؤُهُ»(6).
وقد صرنا إلى زمنٍ أعرض فيه كثيرٌ من الناس عما أمروا به من التدبر والوعي لما يقرؤون؛ فصار همُّ الكثيرين منهم -لا سيما في رمضان- الإكثارَ من ختم القرآن في عجلةٍ شديدة، وإسراعٍ لا نظيرَ له دون اهتمامٍ بتدبُّره وتفهُّم معانيه، وهو أمرٌ جعلَهُ ابنُ الجوزي من تلبيس إبليس عليهم في قراءة القرآن، فقال: «وقد لبَّس (إبليس) على قومٍ بكثرة التلاوة، فم يهُذُّون هذًّا من غير ترتيلٍ ولا تثبُّت، وهذه حالةٌ ليست بمحمودة.
وقد رُوِي عن جماعةٍ من السلف أنهم كانوا يقرؤون القرآن في كل يومٍ أو في كل ركعة، وهذا يكون نادرًا منهم، ومن داومَ عليه فإنه -وإن كان جائزًا- إلا أن الترتيل والتثبُّت أحبُّ إلى العلماء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفقَهُ من قرأه في أقلَّ من ثلاث»» (أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في «سننهم» بإسنادٍ صحيح)(7).
أسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، وأنيس نفوسنا، وتاج مجالسنا، وأن يعلِّمنا منه ما جهلنا، ويُذكِّرُنا منه ما نُسِّنا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على النحو الذي يرضيه عنا، وأن يجعله حجة لنا لا حجة علينا، وأن يجعله شفيعنا يوم نلقاه وهو راضٍ عنا، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.
أ.د. محمد حسان الطيان
الاعلامي احمد بن قطاف موقع شخصي اخباري واعلامي شامل
