الرئيسية 8 بوسعادة السعيدة 8 أخبار ثقافية 8 بين طيات الكتاب ودفء الذكرى: ندوة خالدة

بين طيات الكتاب ودفء الذكرى: ندوة خالدة

تحية حب وتقدير ووفاء للسادة القراء الكرام وبعد
حضرت بفضل الله اليوم.. ندوة اقل ما يقال عنها انها ندوة ليست كغيرها من الندوات..* تُروى على عجل وتُسرد أخبارها في المجالس العابرة .. لتغيب وتنسى *.. بل كانت ندوة فريدة في طابعها وسياقها.. كلحظة تُسجَّل لتُروى.. . تسمو بالعقل فوق رتابة العادة.. وتوقظه ليغوص في معاني المجد والعبرة.. وتنصت للتاريخ مكتسيا بعباءة الحكمة.. فقد ازدانت القاعة بحضور لا يكون في كل محفل.. إذا تكلموا أصغى إليهم الزمان.. وإذا حضروا ازدان المكان بهم… فحضر: الوزير السابق السيد “بن عيسى” والمجاهدة الكبيرة بسكر حفصة.. *رمز النضال والتاريخ الحي *.. التي حضرت مع بعض أبناء المرحوم.. وصفوة مختارة من الطبقة المثقفة.كمعلمين وأساتذة جامعيين. ومنتسبي بعض الجمعيات..
وقد فتحت لنا الندوة صفحة من صفحات الفكر.. يخاطبنا فيها الأستاذ الباحث سي محمد بسكر .. من خلال اصداره الجديد لكتابه.. هذا الكتاب الذي هو أشبه بشمعة تتقد في عمق العَتمة التي ألقاها النسيان على ماضينا.. فلا يُقرأ هذا العمل بعين العقل وحده.. بل يُستشعر بالقلب أيضا
فالأستاذ المؤرخ سي محمد بسكر.. هو عنوان للتاريخ.. ورمز للمثابرة.. بحكم أنه باحثٌ.. مطلعٌ.. محقق.. ويُشهدُ له أنه حقق في أكثر من أربعة عشر عمل بين مؤلف ومطبوع على حد علمي.. فهو الباحث الذي أَحيَا سطورَا كادت تُنسى من تاريخ بوسعادة.. فما أعظمه من جُهد، وما أخلصه من رجل في زمن طغت فيه الغوغاء على التعقلِ والرويّة. واليوم يقترح علينا سيرة والدنا الحبيب سي الحاج *عيسى بسكر رحمه الله*.
كانت لحظات. ويا لها من لحظة تقف فيها الكلمات عند أعتاب القلب، تتردّد، ثم تنساب، لا لأن الحزن قد أثقلها، بل لأن المهابة التي تلفّ ذِكر هذا الرجل، تمنح اللسان وقار الصمت، وتجعل من القول خشوعًا يشبه الدعاء
ولست اليوم بصدد تدوين او ذِكر مناقب المرحوم المعروفة للجميع عن هذا الرجل العظيم.. لكني سأُميط اللثام عن بعض الجَوانب التي عَرَفتُه فيها في ديار الغربة..
فقد عرفته رجلًا قد جمع في شخصه وقار العارف.. وحياء العالم.. وحنكة المجرب.. وتواضع العظماء…
كان في احدى السنوات — رحمه الله — رئيسا لبعثة الحج الجزائرية.. وقد حباني الله بلقائه مرات ومرات اثناء زياراته المتعددة للبقاع المقدسة. ووقتها كنتُ طويلب علم أتهجّى أبجدية الحياة.* وما زلت *فما كانت لقاءاتي به لقاءات عابرة، بل كانت — وإن بدت عادية — ميلادًا لفكرة، وانعطافة في طريقي
فأنا أذكر ذات مرة.. وقد كنت أذاكِر في الحرم النبوي الشريف.. وهو جالس بجنبي للتعبد.. وقد ألقى نظرة على الكتب التي أراجع فيها.. واذ به يقول لي تلك النصيحة التي هي أشبه بحكمة الأوائل التي ظلت ترن في اذني حتى الساعة :” اقرأ يا ابني وخذ الأولوية وكن مؤمنا * او كما قال * حَفظتُها دون أن أَعرف المغزى منها.. إلا أنى لم أتجرأ أن اسأله لشخصيته المهيبة.. وما ظننتُ يومها أن تلك الكلمات القليلة سترافقني طوال عمري، لقد كانت فلسفة كاملة في جملة: وهي دعوة لي للتفوّق لا للكبرياء؛ إلى السموّ لا للتعالي؛ إلى أن أكون عظيمًا في نفسي، لا عظيمًا على الناس. ثم أدركت معناها السامي مع الأيام والسنين
ومرّت الأيام، حتى جاء ذاك اليوم الثقيل حين تهاطلت فيه على البرقيات من بوسعادة وذالك حين نُقل والدي الحبيب إلى المستشفى إثر حادث مؤلم. ولما ذهبت عنده، وجدته ساكن الجسد، لكنه حيّ الروح، لا يشتكي، لا يتبرم. وبقع الدم علي ثيابه كانت كالصرخة الصامتة. والتي ضربت قلبي وتركت في داخلي صورة لن تنسي. ثم قال لي بهدوئه الذي طالما علّمني إياه. اذهب الي أمك الحاجة واطمئن عليها *وتلك هي اول جملة نطقها معي. *
ولما جلست إلى جواره، أواسيه، فإذا به هو من يواسيني بصمته، وطمأنينته العجيبة.
لكني لاحظت وأنا معه أن اقامته لم تكن تليق بمقام رجل بمكانة سيدي الحاج عيسى. وشعرت حينها أن الصمت جريمة.. وأن السكوت خيانة…فتحركت بداخلي غريزة الأبوة والوطنية والكرامة. فهرولت مسرعا إلى الامارة (وهي ما توازي الولاية عندنا) .. وتحدّثت مع صاحب السمو الملكي أمير منطقة المدينة المنورة واستمع إلى. ثم أجرى اتصالاته مع الجهات المختصة.. ليتحقّق من صدق اقوالي.. وأوعز إلى بأنه سينظر في الأمر شخصيًا. وخرجت، لا احمل وعدًا صريحًا.. لكن في نفس اليوم وجدت والدي الحبيب.. وقد نُقل إلى جناحٍ أخر يليق به وبمكانته..
وحين وقفت أمامه.. وهو لا يقول شيئًا.. لكن في عينيه رسائل شكرٍ صامتة، كانت كمن يقول: “قد فهمت ما فعلت يا ابني. وليس بين الأب وابنه حاجة إلى كثير الكلام. وهنا كادت دمعته ان تسبقه وقد مرّ الوقت، ثم أعرب لي عن رغبته في فنجان قهوة
تلك القهوة التي كانت أشبه بطقس يومي من طقوس روحه — فالحراس قد منعوني من إدخالها، لكنني كنت أتحايل عليهم وادخلها له واضعها له بكل بهدوء، كأنني أُسقيه بها بعضًا من ذاكرته، أو أُعيد إليه شيئًا من دفء أيامه. وفي كل رشفة كان يبتسم، بل كأنه يقول: “عرفتُ أنك لن تنساني يا بني.…
وبعد تلك الأيام، حدثني بلهجة الودّ كعادته.. وقال: “يا ابني إن استطعتَ أن تساعدني في الانتقال إلى ابني في ليبيا… او العودة.. فافعل، فإن البعد والتعب قد ثقلا علي.” وإني أريد المغادرة واحسست بانه صوت أبٍ يشتاق إلى دفء أهله،
وحينها رفعت الطلب للجهات المختصة.. وبفضل الله وتوفيقه.. جاءت الموافقة.. وتمكن والدي الحبيب سي الحاج من السفر لوجهته مغادرا البقاع المقدسة.. علما أنني سلمت النسخة الأصلية من الطلب الموقع منه لاحد أبنائه وقتها.. واحتفظت بصورة منه إلى اليوم
وها انا أعرضها على ابنته التي تشاركنا هذا المجلس، لتراها، وتُبصر توقيع والدها الكريم، فتشعر أن شيئًا من روحه لا يزال حيًّا بيننا، ومع حضور ابنته المجاهدة نقول لها
“لقد كان والدك بحق من أولئك الذين يُكرّمهم التاريخ، لا لأنهم عاشوا طويلًا، بل لأنهم عاشوا عظماء.”رحمه الله ، وجعل هذا المجلس شاهدًا على محبّتنا وامتناننا له
وقبل الأخير.. اقول لك يا والدي الغالي.. نم قرير العين.. فإن الوصية التي أسررتني اياها بالحرم النبوي الشريف قد تحققت كما كنت تتمنى.. وهي بين ايادي أمينة فنم وانت قرير العين
ولا أنسى في الأخير.. أن أرفع أسمى آيات الشكر والتقدير لكل من كان له يد في إنجاح هذه الندوة .. كمديرة المكتبة العمومية وجمعية عيسى بسكر.. لما بذلوا من جهود.. وأخص بالشكر الأستاذ محمد بسكر .. الذي أضاء نهاية اللقاء بلفتة سامية.. تنم عن روح نبيلة وانسانية أصيلة .إذ منح كل الحاضرين نسخة مجانية من الكتاب .
فدامت أوقاتكم مزدهرة، وقلوبكم عامرة بالخير ودمتم سالمين..
قد تكون صورة ‏‏‏٣‏ أشخاص‏ و‏تحتوي على النص '‏פניני SDI المكتبة الر الرئيسية للمطالعة Z4,5,2025 الطالعة مكتبه أبواب مفتي وسعاده a 百 Saada Bou- روزان EB اللشقلة وللتون والمنون الجزائر NSTRIGOOMLADANE البین لطيات السكتاب ودفو الذكري جو สิ่สท้ جو ق عمالدق‏'‏‏

عن ahmed

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

جميع الحقوق محفوطة للاعلامي احمد بن قطاف 2009 .. 2025