الرئيسية 8 شبكة مواقعنا 8 الشبكة الإسلامية 8 التنويريون.. والتأليه الطبيعي!

التنويريون.. والتأليه الطبيعي!

في أواسط القرن الثامن عشر، تبلورت أفكار عصر التنوير بجهود بعض المفكرين الفرنسيين من أمثال مونتسكيو، وفولتير، ورسو، وهي أفكار ذات نزعة عقلانية، عمدتها وأداتها العقل، فبه تدشنت المذاهب وصيغت المشاريع الفلسفية.

وقد برزت عقلانية التنويريين وسط الساحة الأوروبية التي كانت تعج آنذاك بالمذاهب المادية الإلحادية التي تتنكر للغيب على وجه العموم، وللإله على وجه الخصوص، ولكن التنويريين لم ينسجوا على منوال الإلحاد ولا راق لهم، إذ العقل الذي هو أداتهم لم يستسغ أن يكون الوجود بلا إله خالق.

وفي المقابل، عجزت عقولهم عن هضم واستيعاب الإله الذي هو مسطور في كتبهم المقدسة بعهديه القديم والجديد، فإنه فيها موصوف بما يناقض العقل في صميم عمله، ومن ثم لم يكن بوسعهم إلا أن يلفظوا ما جاء في العهدين كما لفظوا المادية والإلحاد، وبهذا وقعوا في مأزق مأزوم كان عليهم الخروج منه، وقد كان.

فلقد أقروا بوجود إله خالق؛ لأن ذلك بعقولهم محتم عليهم وتلجئهم إليه الدلائل التي حاصرتهم من كل صوب، لكنه ليس كما ورد في كتبهم المقدسة، إنما هو خالق للكون ضابط لحركته، لكنه انفصل عن خلقه وتركه يمضي بإيقاع منضبط بقوانين مبثوثة في أجرامه وكواكبه.

وتلك القوانين هي التجلي الوحيد لهذا الإله ولا تجليَ له غيرها؛ فلا أنبياء ولا رسل، ولا أسفار ولا كتب، وهذا الإيمان منهم درج مؤرخو الفلسفة على تسميته بــ«التأليه الطبيعي»، وهو إيمان ومذهب يثير السؤال في إلحاح: هل هذا إيمان صالح لطبيعة الإنسان متوائم مع جبلته ويجود عليه بما يلزمه من احتياج روحاني ووجداني؟

‏إن الجواب عن السؤال ليس عسيراً، فهو من الوضوح بمكان يجعل إدراكه يسيراً لمن أعمل العقل بأدنى درجاته، ذلك التأليه الطبيعي وإن كان قد ربأ بأهله عن حمأة الإلحاد، فإنه لم يبعدهم عنها كثيراً، فالإله حسب ذلك الاعتقاد لا يعنيه خلقه ولا عناية له به، وهو ما لا يجوز في شريعة العقل الذي به يتشدقون؛ لأن الاختلال في النظام الكوني وارد ولو كان موثوقاً بحبال القوانين، فمن الحافظ له إن اختل وخالقه قد تخلى عنه؟ ثم لماذا تخلى؟ ومن أنبأهم بذلك؟

تساؤلات لا جواب عنها لديهم، هذا إن ضربنا الذكر صفحاً عن آيات العناية الإلهية التي تسطع على صفحة الوجود في جلاء شمس رابعة النهار، ولا يغيب عنا أن من اعتقد بوجود خالق للكون يعوزه الوقوف الضروري على صفات ذلك الخالق، وهي صفات تستعصي على مدارك العقل، فلا يخلص إليها ولو استفرغ الوسع الذي عنده جميعاً، وبقاء التصور البشري للإله دون معرفة صفاته لا يوفر الاعتقاد الراسخ الذي هو ضرورة قصوى لسكون القلب والنفس، وتوفر الشعور بالأمن والركون إلى ركن شديد؛ إشباعاً لحاجة عميقة في نفس بني آدم، ومن هنا لا نفع من اعتقاد التأليه الطبيعي ولا مردود له، فهو وعدمه على السواء.

‏كما أن الألوهية تقتضي أن تكون للإله أوامر ونواهٍ، يمثلها المخلوقون وبها للإله يتعبدون، فإن لم تكن تلك الأوامر ولا هذه النواهي فكيف للمخلوقين أن يتعبدوا والحاجة إلى التعبد مستحكمة من جبلتهم، فإلى من سيصرفونها؟ ولا يغيب عنا أن تلك الأوامر والنواهي الصادرة عن الإله هي الصالحة -دوناً عما سواها- أن تكون مرجعية للقانون الأخلاقي وغيره من القوانين التي تنتظم بها حياة البشر، حتى لا يضربوا في سواء التيه متنكبين الصراط إلى سبل الضلال المهلكة ذات الظلام، فإن غابت تلك المرجعية فما الذي يحل محلها؟

‏ولئن نسينا فلا نقدر أن ننسى ما لوجدان البشرية من دور عظيم في تحقيق السعادة وإحراز الطمأنينة، وهو في عقيدة هؤلاء مغيب مطمور تحت ركام العقلانية الجافة الباردة.

 

 

جمال بخيت الخلايلة

عن mohamed

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

جميع الحقوق محفوطة للاعلامي احمد بن قطاف 2009 .. 2025