يعيد مشروع بحثي توثيقي جديد فتح ملفات تاريخ القدس من زاوية مختلفة، مستندًا إلى وثائق كنسية وأرشيفات عثمانية ومصادر تاريخية متعددة، في محاولة لتفكيك الرواية التوراتية الإقصائية التي سعت لعقود إلى اختزال تاريخ المدينة في بعد واحد، وإقصاء حضورها العربي الإسلامي والمسيحي المتجذّر.
ويعتمد المشروع، الذي يندرج ضمن عمل موسوعي توثيقي، على أرشيفات كنسية نادرة، تكشف تفاصيل دقيقة عن الحياة الدينية والاجتماعية في القدس عبر قرون، وتبرز نماذج من التعايش والتسامح بين أتباع الديانات المختلفة، بعيدًا عن السرديات الصراعية التي فُرضت على تاريخ المدينة لاحقًا.
وتبيّن الوثائق، وفق تقرير نشره موقع الجزيرة نت، أن الكنائس والمؤسسات الدينية المسيحية كانت جزءًا لا يتجزأ من النسيج العربي للقدس، وأن إدارتها وشؤونها اليومية جرت ضمن سياق اجتماعي واقتصادي عربي متكامل، خضع للأنظمة القانونية والإدارية السائدة في العهد العثماني، بما في ذلك المحاكم الشرعية التي وثّقت علاقات الملكية، والأوقاف، والنزاعات، والتعاقدات بين السكان على اختلاف انتماءاتهم الدينية.
ولا تقتصر أهمية هذه الوثائق على بعدها الديني، بل تتجاوزها إلى كونها مادة تاريخية تُظهر استمرارية الوجود العربي في القدس، وتفنّد الادعاءات التي تحاول تصوير المدينة بوصفها فراغًا تاريخيًا جرى ملؤه لاحقًا، أو باعتبارها مدينة ذات هوية أحادية مفصولة عن محيطها الفلسطيني.
ويكشف المشروع عن أن السجلات الكنسية، إلى جانب سجلات المحاكم العثمانية، تقدّم صورة تفصيلية للحياة اليومية في القدس، بما في ذلك العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، وتنظيم الأحياء، وإدارة الأملاك، وشؤون التعليم والرعاية الاجتماعية، ما يعكس بنية مجتمعية مستقرة ومتداخلة، بعيدة عن منطق الصراع الدائم الذي تروّجه الروايات الاستعمارية.
كما تُظهر الوثائق أن الكنائس نفسها كانت جزءًا من منظومة الوقف والحماية القانونية التي وفّرتها السلطات القائمة آنذاك، وأن العلاقة بين المؤسسات الدينية المختلفة قامت، في معظم مراحلها، على التعايش والتكامل، لا على الإقصاء أو الهيمنة.
ويؤكد القائمون على المشروع أن جمع هذه الوثائق وتحليلها لا يهدف إلى تقديم سردية مضادة فحسب، بل إلى إعادة الاعتبار للمنهج التاريخي القائم على الوثيقة، في مواجهة التوظيف الأيديولوجي للتاريخ، وإلى توفير مرجع علمي وبصري يتيح للباحثين والمهتمين الاطلاع على تاريخ القدس كما هو، لا كما أُعيدت صياغته لخدمة أغراض سياسية.
ويأتي هذا الجهد في سياق أوسع من محاولات توثيق الذاكرة الفلسطينية، والحفاظ على السجل التاريخي للمدينة، في ظل ما تتعرض له من محاولات طمس وتغيير للمعالم والهوية، عبر سياسات الأمر الواقع وإعادة كتابة التاريخ.
وفي المحصلة، تكشف الوثائق الكنسية، كما يعرضها المشروع، أن القدس لم تكن يومًا مدينة منغلقة أو حكرًا على جماعة بعينها، بل فضاءً إنسانيًا مفتوحًا، تشكّلت هويته عبر قرون من التفاعل بين الأديان والثقافات، ضمن سياق عربي فلسطيني راسخ، ما يجعل هذه الوثائق شهادة تاريخية صامتة، لكنها بالغة الدلالة، في معركة الرواية على المدينة
المركز الفلسطيني للإعلام
الاعلامي احمد بن قطاف موقع شخصي اخباري واعلامي شامل
