الرئيسية 8 بوسعادة السعيدة 8 ذاكرة بوسعادة 8 برج الساعة ( كافنياك ) ببوسعادة… مشروع متحف مؤجل وذاكرة تبحث عن حماية

برج الساعة ( كافنياك ) ببوسعادة… مشروع متحف مؤجل وذاكرة تبحث عن حماية

تزخر مدينة بوسعادة برصيد ثري من المعالم التاريخية والسياحية التي تعكس تعاقب الحضارات على أرضها، من آثار الرومان وبصمات العهد العثماني، وصولاً إلى المرحلة الاستعمارية الفرنسية التي تركت منشآت ما تزال قائمة إلى اليوم. ويُعد حصن “كافينياك”، المعروف لدى سكان المدينة باسم “برج الساعة”، أحد أبرز هذه الشواهد العمرانية التي تختزل فصولاً متعددة من تاريخ المنطقة، ويقف شامخًا على مرتفع يطل على وسط المدينة  وواحتها، كحارس لذاكرة المكان وتحولاته عبر الزمن.
يعود تاريخ البرج إلى فترة الاحتلال الفرنسي لبوسعادة سنة 1849، حين واجهت القوات الاستعمارية مقاومة قوية من سكان المدينة بقيادة الشهيد محمد شريف بن شبيرة. وأمام تلك المقاومة، قرر المستعمر  إنشاء حصن عسكري يؤمّن العساكر والعتاد تحسبًا لأي انتفاضة جديدة، فاختير أعلى موقع استراتيجي على جانب  المدينة القديمة ليكون نقطة مراقبة ورصد لتحركات المقاومين. وتم تشييده  سنة 1852، ليحمل لاحقًا اسم “كافينياك”، قبل أن يرتبط في الذاكرة الشعبية باسم “برج الساعة” بعد تثبيت الساعة الشهيرة على واجهته.
ومع مرور السنوات تغيّرت وظيفة الحصن، فتحوّل من منشأة عسكرية إلى مرفق صحي، حيث احتضن سنة 1876 عيادة طبية عسكرية فرنسية، ثم أصبح سنة 1934 مستشفى مدنيًا حمل اسم الرقيب “إيتيان”، وهو طبيب فرنسي اشتهر بأبحاثه حول المصل المضاد للتسمم العقربي خلال فترة عمله ببوسعادة. واستمر الموقع يؤدي أدوارًا متعددة إلى غاية الاستقلال، ليبقى بعدها شاهدًا صامتًا على تحولات المدينة السياسية والعمرانية، ورمزًا لمرحلة تاريخية معقدة من تاريخ الجزائر.
غير أن هذا المعلم التاريخي يواجه اليوم مظاهر تدهور مقلقة، إذ تبدو التشققات واضحة على جدرانه وانهيار سقفه ، وتظهر آثار التآكل على أجزائه العلوية بفعل العوامل الطبيعية وتقادم الزمن، فيما تعرضت بعض عناصره الأصلية للتلف أو الاختفاء. كما أثار اختفاء الساعة الكبيرة في فترة سابقة، قبل إعادتها بجودة أقل، تساؤلات في أوساط المهتمين بالتراث المحلي حول واقع الصيانة وآليات المتابعة التقنية لمثل هذه المعالم.
وفي سياق البحث عن حلول عملية، أُعدّت خلال الأشهر الماضية دراسة تقنية من طرف هيئة مختصة في مجال العمران ببوسعادة، يُفترض أن تُحال إلى وزارتي الثقافة والسياحة باعتبارهما الجهتين الوصيتين على قطاع الآثار والتراث. وقدّرت الدراسة تكلفة مشروع إعادة التأهيل بنحو 20 مليون دينار جزائري، ويتضمن المخطط ترميم البرج وبرج المراقبة المجاور باستعمال المواد الأصلية التي شُيّد بها مثل الجير الحي والرمل والخشب حفاظًا على طابعه المعماري، إلى جانب فتح الممر الأصلي وإنارته، وإنجاز تهيئات تسمح باستغلاله سياحيًا، مع إمكانية فتحه أمام الزوار مقابل مبلغ رمزي يساهم في ضمان صيانته واستدامته.
إن تحويل برج الساعة إلى متحف مفتوح للزيارة، يوثق لمراحل تاريخ بوسعادة ويعرض صورًا ووثائق وشهادات حول المقاومة الشعبية والتحولات العمرانية التي عرفتها المدينة، يمثل فرصة حقيقية لبعث ديناميكية سياحية وثقافية جديدة، خاصة في ظل المكانة التاريخية والجمالية التي يتمتع بها الموقع وإطلالته البانورامية على الواحة والمدينة القديمة. كما أن المكانة الإدارية الجديدة لبوسعادة تتيح إمكانية إدراج مثل هذا المشروع ضمن رؤية تنموية متكاملة تعيد الاعتبار للتراث المحلي وتجعله رافعة اقتصادية وثقافية.
وانطلاقًا من روح المسؤولية الإعلامية والمهنية، فإن هذه الكلمات ليست سوى رسالة تقدير واهتمام موجهة إلى الجهات المعنية محليًا ومركزيًا، من أجل التعجيل بدراسة سبل تجسيد مشروع الترميم في إطار قانوني منظم يضمن حماية المعلم وتصنيفه واستغلاله وفق التشريعات المعمول بها في مجال حماية التراث الثقافي. فالحفاظ على برج الساعة ليس مطلبًا ظرفيًا، بل هو التزام قانوني وأخلاقي تجاه ذاكرة المدينة وحق الأجيال القادمة في التعرف على تاريخها والاستفادة من مقوماتها السياحية.
يبقى برج الساعة ببوسعادة أكثر من مجرد بناء قديم؛ إنه ذاكرة قائمة على مرتفع، تختصر حكاية مدينة صنعت مجدها عبر العصور. وإن إنقاذه اليوم هو استثمار في الهوية والتنمية والسياحة، ورسالة وفاء لتاريخ بوسعادة، حتى يظل هذا المعلم شاهدًا حيًا لا مجرد صورة في الأرشيف.
بقلم: أحمد بن قطاف

عن mohamed

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

جميع الحقوق محفوطة للاعلامي احمد بن قطاف 2009 .. 2025