في قلب الزمن البعيد، حين كانت المدينة تعيش على إيقاع السكينة والوقار، تُطل علينا صورة أرشيفية من مطلع القرن العشرين تحتفظ بها المكتبة الوطنية الفرنسية. توثق هذه الصورة مشهدًا نادرًا من شوارع بوسعادة: نساء بوسعاديات بلباسهن التقليدي، يمشين بخطى هادئة، يلفّهن بياض الملحفة وتُغطي رؤوسهن العجار، في تجلٍّ صامت لحياء أصيل وهوية متجذرة.
لم يغب هذا الزي عن شوارع بوسعادة حتى اليوم. فما زالت الملحفة البيضاء تُرتدى في بعض الأحياء والمناسبات، وتُعد رمزًا للمرأة البوسعادية الأصيلة. كما لا تزال بعض النسوة يرتدين لعجار، وهو قطعة قماش سوداء أو داكنة تغطي الوجه عدا العينين، وتُزيّنها تطريزات تقليدية، تُعبر عن الحياء وخصوصية المرأة في الفضاء العام.
لم يكن الحجاب في بوسعادة مجرد زي تقليدي، بل لوحة اجتماعية مشبعة بالمعاني. الملحفة البيضاء أو الموشاة، ولعجار المطرز أو الشفاف، يجمعان بين الستر والذوق، بين الحياء والجمال. كانت المرأة البوسعادية تصوغ حشمتها بأناقة، وتُطري حضورها بلباس يجعلها مرئية ومحترمة دون أن تُكشف.
لم يغب هذا المشهد عن أعين الفنان الفرنسي ناصر الدين دينيه، الذي استقر ببوسعادة وتماهى مع أهلها حتى دخل الإسلام. في كثير من لوحاته، رسم ديني نساءً بالحجاب البوسعادي في مشاهد تنبض بالصمت النبيل، على خلفيات من الواحات أو الصحارى أو سفوح جبل كردادة. كانت الملحفة البيضاء تُروى بريشته كلغة حشمة وأنوثة وروح.
الصورة التي التُقطت في بوسعادة تُوثق لحظة عابرة: نساء يمضين في هدوء تحت شمس الجنوب، بملامح خفية ولباس يعلن هويتهن بصوت الحياء. خلفهنّ يظهر جبل كردادة وتنساب روعة الوادي، حيث التقط ديني صورته الفنية للمرأة المسلمة في قلب الطبيعة. هذا المشهد البسيط يحمل بُعدًا حضاريًا عميقًا، حيث كان اللباس خطابًا ثقافيًا واجتماعيًا وروحيًا.
الصورة تتكلم… تفتح نوافذ نحو الذاكرة، نحو المرأة البوسعادية التي كانت فاعلة في صمتها، جميلة في سترها، راقية في بساطتها. الحجاب هنا ليس فرضًا فقط، بل هو ذوق وانتماء. وهو ما جسّده ديني في لوحاته، حين جعل من الحجاب البوسعادي لوحة جمالية خالدة.
المكتبة الوطنية الفرنسية (Gallica BnF)
الموقع الإخباري بوسعادة أنفو
الاعلامي احمد بن قطاف موقع شخصي اخباري واعلامي شامل
