الرئيسية 8 شبكة مواقعنا 8 الشبكة الإسلامية 8 التربية بالقدوة والسمت الصالح

التربية بالقدوة والسمت الصالح

تُعَدُّ القدوة الصالحة من أهمّ ركائز التربية الناجحة، وأقوى الأساليب تأثيرًا في بناء الشخصية، وتثبيت القيم، وصناعة السلوك المستقيم، وقد أجمع علماء النفس والتربية والسلوك على أنَّ المحاكاة فطرة فطر الله الإنسان عليها، لا سيما في مراحل الطفولة والنشأة، إذ يتعلم الطفل أولى مهاراته ومعارفه وسلوكياته من خلال الملاحظة والتقليد قبل الوعي والتلقين.

فالطفل يتأثر بما يرى أكثر مما يسمع، ويكتسب من سلوك من حوله ما لا يكتسبه من آلاف الكلمات، فالمربي قد يُلقي موعظة مؤثرة تُحدث أثرًا وقتيًّا في نفس المتربي، لكن الأثر الأعمق إنما ينشأ حينما تتحول تلك الموعظة إلى سلوكٍ عمليٍّ واقعيٍّ يراه الطفل أمامه ويتشرّبه وجدانًا قبل أن يعيه عقلًا.

وقد قرر التربويون أن الآباء بمثابة مصفاة تُنقّي القيم قبل عبورها إلى الطفل، فهم نماذج حيّة يقلدها الأبناء في كل تصـرف، بل يُطلق علماء النفس على ذلك «التطابق أو التوحّد»، فيما يسميه علماء الاجتماع المحاكاة.

ومن ثمّ فالتأسي بالآخرين غريزة فطرية متأصلة في طبيعة الإنسان، تزداد وضوحًا في مراحل الطفولة الأولى، حيث يكون الولد كصفحة بيضاء قابلة لأن يُكتب فيها الخير أو الشر.

ولذلك قيل: إنّ الطِّفل كالصفحة البيضاء، تقبل أيَّ كلمة تُكتب عليها بأي لونٍ من المِداد، وبأي لغةٍ أو أسلوبٍ كان، فإذا ما سُطِّر عليها شيء، صار جزءًا من كيانها وذاتها.

وهذا التصوير العميق يوضح أن الطفل يتشكل وجدانه وسلوكه بما يشاهده من مربيه أكثر مما يُملى عليه من تعليمات، فكل حركة وسكنة من الأب والأم والمعلم والمربي درسٌ عمليٌّ في ذاته.

الجمع بين القول والعمل

ولقد قدّم النبيّ صلى الله عليه وسلم النموذج الأكمل للقدوة العملية والسَّمت الصالح، إذ جمع بين القول والعمل، والتعليم والتطبيق، فكان أبلغ المربين وأعظم المعلّمين، وقد وصفه ربّه بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21).

فالأسوة الحسنة في شخصه صلى الله عليه وسلم لم تكن مبدأ نظريًّا؛ بل كانت سلوكًا، رأى الناس فيه ترجمة حيّة للقيم والمكارم، وبه تربّى جيل الصحابة على الإيمان، والاستقامة، والصدق، والعطاء.

وإذا افتقد الطفل هذه القدوة في والديه أو مربيه، ضاع منه ميزان التمييز بين الصحيح والمنحرف، إذ لا ينتفع بموعظةٍ ولا نصيحةٍ ما لم يجد سلوكًا يصدقها، فالأب الذي يسبّ ويشتم لا يمكن أن يُقنع ولده بحفظ اللسان، والأم التي تُهمِل في حجابها لا تستطيع أن تزرع في ابنتها معاني الحياء، والأب الذي يدخّن عبثًا لا يُقنع ابنه بالإقلاع عن التدخين ولو نهاه صباح مساء.

إنَّ الأبناء يسـرقون الطباع من آبائهم دون أن يشعروا، يقلدونهم في ألفاظهم وحركاتهم، بل في طبائع الغضب والرفق والعطاء، خيرها وشرها على السواء، وقد قيل: «إنما يُحْسِن الاختيار لغيره من يُحْسِن الاختيار لنفسه»؛ ولذلك جاءت التربية النبوية مؤكدة حفظ الفطرة الإنسانية في النشء.

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»؛ فالميل الفطري إلى الخير مغروس في النفس، غير أن البيئة والسلوك المحيط قد يطمسانه إن لم يجد الطفل القدوة الموجهة التي تحفظ نقاءه وتُنمّي سموّه.

ومن صور القدوة في الصدق والأمانة ما رُوي عن عبدالله بن عامر، قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدٌ في بيتنا، فقالت: ها، تعالَ أُعطِك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنك لو لم تُعطِه شيئًا كُتِبَت عليك كذبةٌ».

هذا الموقف النبويّ الدقيق يبرز عظمة التربية بالفعل والقول معًا؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الكلمة العابرة تمرّ دون توجيه، لأنّ الكذب أمام الأطفال أو معهم يُفسد فطرتهم، ويعلّمهم التناقض قبل أن يتقنوا الصدق؛ لذا وجب على الآباء والمربين أن يتجنبوا الكذب أمام أبنائهم ولو في المزاح أو الأعذار الاجتماعية، لأن الطفل يسجّل المواقف لا الأقوال.

كما جسّد النبيّ صلى الله عليه وسلم أسمى مظاهر القدوة في الرحمة والرفق، فقد روى أنس بن مالك -وهو ممن خدم النبي صلى الله عليه وسلم سنين طويلة- فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلُقًا، وكان لي أخ يُقال له أبو عُمير، وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاء قال: «يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟»، وربما حضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبِساط فيُكنس ويُنضح، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا.

إنها قدوة حية في التواضع والملاطفة، وفي حسن الخلق والسلوك العمليّ الراقي، لم يكتفِ فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر والتوجيه، بل قدّم النموذج العمليّ الذي يُغرس في النفس غرسًا عميقًا لا تُزيله الأيام.

آثار القدوة في التربية الوالدية

إنّ القدوة الصالحة في البيت المنهج الأبلغ تأثيرًا في تربية الأبناء، فهي تبني فيهم الثقة بالنفس، والاتزان في السلوك، والاحترام للضوابط، وتُكسبهم القيم بالمشاهدة لا بالتلقين، الأب الصادق يُخرِج أبناء صادقين، والأم الرحيمة تُنشئ بناتٍ رحيمات، والمربي الصالح يُورّث صلاحًا ممتدًّا في الأجيال.

ولذا، فإنّ القدوة ليست سلوكًا فرديًّا فحسب، بل مشروع تربيةٍ متكاملٍ يُترجم القيم إلى حياةٍ يوميةٍ داخل الأسرة، فالآباء حين يضبطون ألسنتهم، ويحسنون تعاملهم، ويظهرون التزامهم بأخلاق الإسلام، فإنهم يربّون أبناءهم بغير كلماتٍ مباشرة، وإنما بلسان الحال الذي هو أبلغ من ألف مقال.

وإذا كانت القدوة الصالحة هي النبع الذي يغرس القيم في النفوس عن طريق السلوك والمشاهدة، فإن التربية بالإرداف والمصاحبة تمثل المرحلة التالية من هذا البناء؛ حيث يتحول المربّي إلى رفيقٍ مباشرٍ يعيش مع المتربّي تفاصيل حياته، يوجّهه بالصحبة، ويعلّمه بالموقف، ويغرس في قلبه المعاني بالمعايشة اليومية.

د. عادل هندي

عن mohamed

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

جميع الحقوق محفوطة للاعلامي احمد بن قطاف 2009 .. 2025