تعد دول الخليج من أعلى مناطق العالم كثافة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، مع نسب انتشار تقارب 100% في عدة دول.
وتعتبر الكويت من الدول الخليجية التي تحتفظ بنسبة انتشار عالية جداً للإنترنت حوالي 99%، وتتصدر منصات مثل «تيك توك»، و«سناب شات»، و«إنستغرام»، و«فيسبوك»، مشهد الاستخدام اليومي للتواصل والترفيه بين مواطنيها.
مع امتلاك الكثير من الأشخاص عدة حسابات؛ ما يساهم في تضخم أرقام مستخدمي المنصات، ومعها قد تتضخم الشائعات، والأخبار الكاذبة، خاصة خلال أوقات الحروب والأزمات.
زيف الحسابات الوهمية!
قبل عام، أقدم الملياردير الأمريكي إيلون ماسك على خطوة استباقية عبر منصته «إكس» لأجل القضاء على الحسابات الوهمية والمزيفة، وبحسب تقرير نشرته صحف ألمانية، فإنه تم اكتشاف حساب للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لديه ما يقارب 590 ألف متابع في جنوب آسيا.
كما أن قناة «فلاديمير بوتين نيوز» الشهيرة التي يتابعها 280 ألف متابع أُنشئت من باكستان، وتوضح هذه الأمثلة مدى تأثير ميزة الموقع الجديدة على النقاش السياسي، وكم من الأسئلة التي تثيرها وتحدثه من إرباك سياسي.
ولخطورة منصات التواصل الاجتماعي وما يتم كتابته عليها وتوجيهه من آراء، فقد أظهرت تقارير بحثية صادرة عن «Citizen Lab» أن شبكات التأثير لا تعمل وفق اصطفافات أيديولوجية ثابتة، وإنما تنتقل بين ملفات وساحات تبعًا للجهة الممولة والهدف المرحلي.
وتكشف التقارير أن البنية التحتية للتضليل التي استخدمت خلال حرب إيران يمكن إعادة توظيفها بسهولة لإذكاء صراعات خليجية وعربية داخلية، مع تعديل طفيف في اللغة والرسائل.
على سبيل المثال، سجل مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) 142 إشاعة بمعدل 5 شائعات يومياً، استهدفت المواطن الأردني، خلال الشهر الماضي، بحسب «وكالة الأنباء الأردنية» (بترا).
خديعة تشكيل الوعي
يبقى السؤال الذي يجب طرحه: في خضم هذا الطوفان، ماذا يجب تقديمه من وعي تجاه استخدام مواقع التواصل الاجتماعي؟
يقول المفكر والداعية السوري د. عبدالكريم بكار: إن مقياس الإيمان ليس في كثرة النوافل، ولكن في مقياس الأمان الذي يشعر به الآخرون حينما يتعاملون معك.
وأضاف، عبر حسابه على منصة «إكس»، أننا ندخل إلى منصات التواصل فنجد قسوة في الردود، واستعجالاً في التخوين، وتسابقاً في نشر الفضائح تحت مسمى الوعي.
وتابع قائلاً: لقد فقدنا أدب النصيحة، وحل محله شهوة الفضيحة، فالمؤمن يستر ليعم، والمنافق يهتك ليهدم، إنَّ الذوق العام يقتضي أن نمسك عما لا نعلم، وأن يكون شعارنا «قل خيراً أو اصمت رقمياً».
فالقاعدة الذهبية لكل العصور، سواء بتضخم التقنيات الحديثة أو بعدمها، الحديث النبوي الشريف، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت..» (رواه البخاري، ومسلم).
وإذا كان الصمت قبل التقنيات الحديثة مرتهناً بحبس اللسان، فإنه مع وجودها يكون بحبس الكلام أو الصمت عن الإحجام عن التعليقات، التي تذكي روح الخصومة، ولنتذكر ما هو أصل مكين من تراثنا وديننا، أن التشاحن والبغض وقطيعة الأرحام محرم بيننا.
وأد الفتنة الإلكترونية
إذا انتقلنا إلى الحرب الجارية في المنطقة، والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، نجد أنها فرضت واقعاً جديداً في العالم الافتراضي؛ ما يجعل الوضع أكثر انفلاتاً في توثيق المعلومة أو تعريض المجتمع الخليجي لحرب افتراضية يكون لها انعكاسات سلبية على مجتمعاته وشعوبه.
إزاء ذلك، تقوم الحكومات الخليجية بمحاولات حثيثة لضبط الأخبار، والصور والفيديوهات، بعد أن تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مواجهة موازية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية.
يرى فيصل المضاحكة، رئيس تحرير مجلة «Gulf Times» في قطر، أن الحظر على النشر لا يتعلق أبداً بحرية الرأي، بل بحماية المواطنين والمقيمين، مضيفاً أن تصوير مواقع سقوط الصواريخ أو الشظايا قد يوفر معلومات يستغلها العدو لتحديد الأهداف؛ ما قد يؤدي إلى إعادة استهداف المواقع مجدداً.
ويضيف، في تصريح نقلته «بي بي سي»، أن بعض صناع المحتوى يهتم أكثر بحصد أكبر عدد من المتابعين على حساباته بدل وضع أمن المقيمين كأولوية، داعياً الوافدين إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه الدولة المضيفة.
إجراءات قانونية رادعة
في هذا السياق، يهدف حصر تداول المعلومات إلى الحد من انتشار الأخبار المضللة ومنع جرّ دول الخليج إلى الحرب القائمة عبر تشويه الحقائق ونشر الأخبار المزيفة، واستغلال أدوات الذكاء الاصطناعي لتضليل المعلومات بما يساهم في إحداث زعزعة في الرأي العام.
وكانت وزارة الداخلية القطرية قد حذرت من التجمهر أو تصوير ونشر المقاطع المرتبطة بالمستجدات الميدانية، تجنباً للمساءلة القانونية، كما دعت المواطنين والمقيمين إلى متابعة القنوات الرسمية للحصول على المعلومات، مثل مكتب الاتصال الحكومي ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية.
وقد فعّلت الداخلية القطرية إجراءات التنبيه ونظام الإنذار المبكر لإبلاغ السكان بأي تطورات أمنية.
يشار إلى أن إعادة نشر الشائعات أو الأخبار الكاذبة يعد جريمة يعاقب عليها القانون القطري، إذ قد تصل العقوبة إلى السجن لمدة 5 سنوات وغرامة لا تتجاوز 100 ألف ريال قطري، مع مضاعفة العقوبة إذا وقعت الجريمة في زمن الحرب.
أيضاً حصرت الكويت تداول المعلومات الأمنية عبر المنصات الرسمية، وتقوم بتحذير السكان عبر الوسائل التقليدية؛ أي صفارات الإنذار أو إشعارات مسبقة عبر تطبيق «سهل» الحكومي.
وفي وقت سابق، حذرت وزارة الداخلية الكويتية من تداول الشائعات، مثل شائعة «التسرب الإشعاعي» أو نشر فيديوهات وصور غير موثوقة، مؤكدة أن الجهات المعنية ترصد مثل هذه الممارسات وتتعامل معها بحزم وتقوم بإحالتها إلى جهات الاختصاص لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق مرتكبيها.
كذلك حذر النائب العام الإماراتي من تداول صور أو مقاطع فيديو قد تثير الذعر أو تعطي صورة غير دقيقة عن الأوضاع، مؤكداً أن أي شخص يُتهم بنشر الشائعات أو الأخبار الكاذبة قد تُفرض عليه عقوبات تشمل السجن والغرامة المالية.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
