في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتلاحق الأزمات، وتتبدّل موازين السياسة والاقتصاد والمجتمع، غدت الصحة النفسية جزءاً أساسياً من قدرة الإنسان على الثبات والعطاء ومواجهة الحياة بوعي واتزان؛ فالحروب والصراعات، والأزمات الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية، والتدفق الهائل للمعلومات، وما يصاحبه من قلق وتوتر واستنزاف عاطفي؛ كلها تضع الإنسان المعاصر أمام اختبارات متواصلة لنفسيته وقدرته على الصمود.
ولعل أخطر ما في عالم اليوم أن الأزمات لم تعد بعيدة عن الإنسان، يسمع عنها ثم تنتهي، بل أصبحت تدخل إلى بيته وهاتفه ووعيه كل يوم، عبر شاشات الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي؛ مشاهد الحروب، وأخبار الكوارث، والتقلبات الاقتصادية، والمخاوف من المستقبل، والمقارنات الاجتماعية المتواصلة.. كلها قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى ضغوط خفية تستنزف الطاقة النفسية، وتؤثر في النوم والعلاقات والقدرة على التركيز واتخاذ القرار.
وفي خضم هذه المتغيرات العالمية، يبرز السؤال الأهم: كيف نحافظ على سلامنا الداخلي حين يضطرب العالم من حولنا؟ وكيف نربي أبناءنا وأسرنا ومجتمعاتنا على المرونة النفسية، دون أن نفقد البوصلة أو نستسلم للخوف والقلق والإحباط؟ وكيف نواجه الأخبار والأحداث بوعي، فلا نعيش في حالة إنذار دائم، ولا ننفصل في الوقت نفسه عن واقع أمتنا ومسؤولياتنا تجاهها؟
إن المنظور الإسلامي لا يفصل صحة النفس عن صحة القلب، ولا يرى الإنسان جسداً ومشاعر منفصلة عن إيمانه وصلته بربه؛ فالإيمان يمنح الإنسان معنى، والعبادة تمنحه سكينة، والتوكل يحرره من القلق المفرط بشأن ما لا يملك، والصبر يمده بطاقة الاحتمال، والأمل يفتح أمامه أبواب العمل بعد أن تضيق به مسالك اليأس، يقول الله تعالى: (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد).
لكن الإيمان لا يعني إنكار الألم أو تجاهل المشكلات النفسية، كما أن طلب المساعدة المتخصصة لا يتعارض مع التوكل على الله؛ فالإنسان مأمور بالأخذ بالأسباب، والعناية بنفسه، وطلب العلاج حين يحتاج إليه، ومساندة من حوله حين تشتد عليهم وطأة الحياة.
ومن هنا، تأتي أهمية فتح هذا الملف؛ لا للحديث عن الصحة النفسية بوصفها قضية طبية فحسب، وإنما باعتبارها قضية إنسانية وتربوية وإيمانية ومجتمعية، فالصمود النفسي لا يعني ألا نتألم، ولكن كيف نواجه الألم، وألا نسمح للخوف أن يشلّ إرادتنا، وأن نعيش واقع العالم المضطرب، بوعي يحفظ توازننا ويمنحنا القدرة على التأثير.
إن العالم قد يتغير بسرعة، وقد تتبدل الظروف من حولنا، لكن الإنسان المؤمن يستطيع أن يصنع في داخله مساحة من السكينة، يستمد منها قوته، ويواصل بها رسالته، ويواجه بها المستقبل بثقة وأمل، فحين يضطرب العالم، تزداد حاجتنا إلى قلب ثابت، ونفس متوازنة، وإيمان يصنع الصمود.
https://mugtama.com/a/a723ELZj :إقرأ المزيد
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
