عدوان إسرائيل العسكري الواسع على غزة منذ 2023، ليس حدثا عابرا يمكن قراءته بمنطق الجولات السابقة فقط. نحن أمام لحظة كاشفة أعادت تعريف الصراع كله، وفضحت حدود القوة الإسرائيلية حين تصطدم بإرادة شعب محاصر منذ سنوات. ومن هنا فإن تحليل الحرب على غزة لا يبدأ من عدد الغارات ولا من خرائط التوغل وحدها، بل من السؤال المركزي: ماذا أراد الاحتلال أن يحقق؟، وماذا تحقق فعلا على الأرض السياسية والعسكرية والإنسانية؟
تحليل الحرب على غزة في ميزان الأهداف المعلنة
منذ الساعات الأولى، رفع الاحتلال سقف أهدافه إلى حد بعيد. تحدث عن القضاء على المقاومة، واستعادة الردع، وتحرير الأسرى بالقوة، وإعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي في القطاع. هذه الأهداف لم تكن عسكرية فقط، بل حملت تصورا أشمل يراد منه كسر غزة بوصفها حاضنة للمقاومة، وكسر الفلسطينيين بوصفهم شعبا ما زال يرفض الإخضاع.
لكن التجربة في غزة تقول شيئا مختلفا. فمع اتساع التدمير، ازداد وضوح التناقض بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية. الاحتلال يمتلك تفوقا ناريا هائلا، ويستطيع وعمل على تدمير الأحياء والمستشفيات والبنية المدنية، لكنه لا يملك القدرة نفسها على فرض حسم سياسي دائم. هنا تظهر العقدة الأساسية في هذه الحرب: القوة التدميرية ليست هي نفسها القدرة على إنتاج نصر مستقر.
إسرائيل سعت أيضا إلى ترميم صورة الردع التي اهتزت بشدة. غير أن الردع لا يقاس فقط بحجم القصف ولا بعدد الأطفال والنساء الذين يتم قتلهم، والحقيقة الساطعة اليوم أن إسرائيل باتت مستباحة والجميع يستسهل ضربها من لبنان واليمن والعراق وإيران بعد ضربات غزة المباركة، وأن الإبادة التي ارتكبتها لم تجلب الأمان لوسط الكيان.
منطق الإبادة والضغط الجماعي
ما جرى في غزة لا يمكن اختزاله في معركة تقليدية بين جيش ومجموعات مقاومة. حجم الاستهداف للمدنيين، والتدمير الممنهج للمنازل، والضرب المتكرر للمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، وفرض التجويع والحصار، كلها عناصر تشير إلى سياسة أوسع من مجرد ملاحقة أهداف قتالية. نحن أمام استخدام منظم للعقاب الجماعي، ومحاولة لإعادة هندسة المجتمع الفلسطيني عبر الألم والاقتلاع والإنهاك.
وقتلت إسرائيل أكثر من 72 ألف فلسطيني وأصابت أكثر من 172 ألفًا آخرين، في حين دمرت 90 % من مباني القطاع، وحشرت السكان في مساحة تقل عن 36 % من مساحة القطاع.
هذا المنطق يكشف أن الحرب استهدفت البيئة المدنية باعتبارها جزءا من معادلة الصمود. الاحتلال يدرك أن غزة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل بنية اجتماعية وسياسية حيّة. لذلك حاول ضرب عناصر الحياة نفسها: الماء، الكهرباء، الغذاء، العلاج، والتعليم. والرهان هنا كان واضحا – دفع الناس إلى حافة الانهيار، أملا في تحويل الكارثة الإنسانية إلى أداة سياسية.
غير أن هذا المسار يحمل تناقضا آخر. فكلما توسع الاستهداف ضد المدنيين، تراجعت قدرة إسرائيل على تسويق حربها أخلاقيا وسياسيا، حتى لدى قطاعات كانت تمنحها غطاء واسعا. صحيح أن الدعم الغربي الرسمي استمر بدرجات كبيرة، لكن الصورة التي خرجت من غزة هزت الرأي العام العالمي، وفتحت المجال أمام تحول متصاعد في الوعي الشعبي تجاه حقيقة ما يتعرض له الفلسطينيون.
وخلصت تقارير حقوقية دولية إلى أن ما ارتكبته إسرائيل في غزة هو جريمة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين.
لماذا لم يتحقق الحسم العسكري؟
السؤال الذي فرض نفسه بعد شهور من العدوان هو: لماذا عجز الاحتلال عن حسم المعركة رغم تفوقه الساحق؟ الجواب لا يرتبط بعامل واحد. غزة ميدان معقد، كثيف سكانيا، ومتشابك عمرانيا، وفيه بنية مقاومة راكمت خبرة طويلة في القتال والصمود وإدارة الموارد تحت الحصار. هذا يعني أن التفوق الجوي والمدفعي، رغم فتكه، لا يترجم آليا إلى سيطرة مستقرة على الأرض.
هناك أيضا طبيعة المواجهة الدائرة فالسيطرة على منطقة لا تعني تأمينها بالكامل. في كل مرة أعلن فيها الاحتلال تفكيك بنية المقاومة في موقع ما، عاد بعد فترة ليقر أن الفكرة القائلة بإزالة المقاومة عسكريا مبالغ فيها إلى حد كبير.
الأمر لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بالبنية المعنوية والتنظيمية. حين تكون المقاومة متجذرة في مجتمع يرى في الصمود شكلا من أشكال البقاء الوطني، يصبح الاستنزاف متبادلا وإن اختلفت الكلفة. الاحتلال قادر على إطالة الحرب، لكنه غير قادر على تحمل حرب بلا أفق سياسي إلى ما لا نهاية، خاصة مع تصاعد الضغوط الداخلية المرتبطة بالأسرى والخسائر والعزلة المتنامية.
المقاومة ومعادلة البقاء السياسي
في أي تحليل للحرب على غزة، لا يمكن تجاهل أن أحد أهم عناوينها هو صراع الإرادات. إسرائيل أرادت إلغاء الفاعل الفلسطيني المقاوم من المشهد، أو تقزيمه إلى حد العجز. لكن مجرد استمرار المقاومة في الحضور والتأثير، والاحتفاظ بقدرتها على المبادرة في أوقات مختلفة، يعني أن هدف الإلغاء لم يتحقق.
لا يعني هذا تجاهل حجم الكارثة التي لحقت بغزة أو التقليل من الخسائر الهائلة. بل يعني أن قراءة العدوان يجب ألا تسقط في الفخ الإسرائيلي الذي يساوي بين التدمير وبين النصر. فلو كان الدمار وحده معيارا، لكان الشعب الفلسطيني قد استسلم منذ عقود. ما جرى تاريخيا هو العكس: كل مرحلة قمع شديد كانت تعيد إنتاج أسباب المقاومة، لأن أصل القضية لم يعالج، بل جرى تعميقه بالقوة.
المقاومة هنا ليست مجرد فعل عسكري. إنها أيضا تعبير عن فشل مشاريع الاحتواء والترويض والحصار في تحويل غزة إلى مساحة منزوعـة الإرادة. ومن هذه الزاوية، فإن بقاء الفعل المقاوم، ولو بأشكال مختلفة، يعد فشلا واضحا للمخطط الإسرائيلي الهادف إلى إعادة صياغة القطاع وفق شروط الاحتلال الأمنية والسياسية.
البعد الإقليمي والدولي للحرب
الحرب لم تكن معزولة عن الإقليم. منذ البداية، حاولت قوى عدة ضبط المواجهة ومنع تمددها، بينما سعت إسرائيل إلى استثمار الغطاء الدولي، خصوصا الأميركي، لتوسيع هامش عملياتها. الدعم العسكري والسياسي الغربي منح الاحتلال وقتا ومساحة للاستمرار، لكنه لم يلغ حقيقة أن الحرب كشفت أزمة أعمق في صورة النظام الدولي نفسه.
المؤسسات التي ترفع شعارات القانون الدولي وحقوق الإنسان بدت عاجزة أو متواطئة أو بطيئة إلى حد الفضيحة. هذه الحقيقة لم تكن جديدة على الفلسطينيين، لكنها ظهرت هذه المرة أمام جمهور عالمي أوسع، وبصورة يصعب إخفاؤها. المشهد الإنساني في غزة، مع كثافة الصور والشهادات، قوض سرديات كثيرة لطالما استخدمت لتبرير الانحياز لإسرائيل.
في الوقت نفسه، أظهرت الحرب حدود المواقف العربية الرسمية. صدرت بيانات وتحركات دبلوماسية، لكن أثرها العملي ظل محدودا قياسا بحجم المأساة. وهذا بدوره أعاد طرح سؤال الإرادة السياسية العربية، وسؤال الفجوة بين المزاج الشعبي الداعم لفلسطين وبين السياسات الرسمية المقيدة بحسابات التحالفات والضغوط الدولية.
ماذا عن اليوم التالي؟
من أكثر العبارات تداولا في الأشهر الأخيرة عبارة اليوم التالي. لكنها غالبا تطرح بطريقة تتجاهل الحقيقة الأساس: لا يمكن فرض مستقبل سياسي مستقر في غزة فوق ركام المجازر وتحت حراب الاحتلال. أي تصور يتعامل مع القطاع بوصفه ملفا إداريا أو أمنيا فقط، ويتجاوز الإرادة الفلسطينية، مصيره التعثر.
إسرائيل تريد يوما تاليا يضمن لها الأمن من دون إنهاء الاحتلال، ويمنحها ترتيبات ميدانية تخفف عنها العبء مع إبقاء السيطرة الفعلية. بعض الأطراف الدولية تتحدث عن إدارة جديدة أو ترتيبات تكنوقراطية أو قوات دعم استقرار، لكن هذه الطروحات تصطدم بسؤال الشرعية. من يحكم غزة لا يحكمها بقرار خارجي فقط، بل بمدى اتصاله بالناس وبالقضية الوطنية وبمعنى الصمود الذي تشكل خلال الحرب.
لهذا، فإن أي حديث جدي عن المستقبل يجب أن يبدأ من وقف العدوان، ورفع الحصار، وإغاثة السكان، وإعادة الإعمار، ثم الذهاب إلى مسار فلسطيني داخلي يعيد ترتيب البيت الوطني على أسس الشراكة والتمثيل الحقيقي. غير ذلك ليس حلا، بل تأجيلا لجولة قادمة.
تحليل الحرب على غزة من زاوية الوعي والرواية
أحد أهم ميادين هذه الحرب كان ميدان الرواية. إسرائيل لم تخض حرب نار فقط، بل حربا مكثفة على اللغة والمعنى والصورة. حاولت تقديم المجازر كأضرار جانبية، وتجريد الضحايا من قصصهم، وتحويل الجاني إلى ضحية دائمة. لكن غزة، بدمها وصمود أهلها، كسرت جزءا مهما من هذا الاحتكار.
هنا تبرز أهمية الإعلام الفلسطيني والعربي الملتزم، وأهمية المنصات التي تضع الرواية الفلسطينية في المركز لا في الهامش. فالمعركة على الحقيقة ليست شأنا ثانويا، لأنها تحدد كيف يفهم العالم ما يجري، وكيف يتشكل الضغط السياسي والأخلاقي. وقد أثبتت هذه الحرب أن الرواية الفلسطينية، حين تصل بوضوح وثبات، قادرة على اختراق جدران سميكة من التضليل.
الحرب ستتوقف في لحظة ما، لكن آثارها ستبقى طويلا. غزة ستحتاج إلى وقت هائل لترميم الحجر، وإلى وقت أطول لمداواة البشر. ومع ذلك، فإن الدرس الأوضح هو أن الشعب الذي يدفع هذا الثمن لا يطلب شفقة، بل عدلا وحرية وحقا غير قابل للمساومة. ومن يريد قراءة المشهد بصدق، عليه ألا يسأل فقط كيف دمرت غزة، بل لماذا بقيت رغم كل هذا التدمير حاضرة في قلب القضية وقادرة على إعادة تعريفها أمام العالم.
المركز الفلسطيني للإعلام
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
